أبي بكر. خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة؛ فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم، فيكون فساد).
وعندما حضرته الوفاة، وألح عليه الناس في أن يستخلف قال [1] : (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ـ يعني أبا بكر ـ. وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ـ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال ولده عبد الله:"فعرفت حين ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه غير مستخلف") .
ثم يحذر وهو على فراش الموت، كلا من علي وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ من أن يستخلفا أقاربهما إن اختيرا للأمر؛ فيقول لعلي [2] : (لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما آتاك الله من العلم والفقه والدين، فيستخلفوك. فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس) .
ثم يلتفت إلى عثمان فيخاطبه [3] : (يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك؛ فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس) .
كما قال لسعد بن أبي وقاص [4] : (أنشدك الله يا سعد، إنْ وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس) .
وعندما نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله، أبى ذلك وحذر ابنه من قبوله قائلا [5] : (يا عبد الله، إياك ثم إياك أن تتلبس بها) .
وعندما أُحيط بعثمان ـ رضي الله عنه ـ تمسك بالعزيمة، فلم يوص لأحد، برغم مناورات البيت الأموي الذي ورمت أنوف أهله إرادة للخلافة، ومحاولات معاوية السيطرة عليها، بدعوى الدفاع عن الخليفة. حتى إنه عرض على عثمان رضي الله عنه [6] الاختيار بين أربعة أمور لفك الحصار عليه: أن يضرب رقاب علي وطلحة والزبير، أو أن يستقدم أربعة آلاف فارس من الشام للسيطرة على المدينة والدفاع عن الخليفة، أو أن ينفي إلى الآفاق جميع صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أن يجعل له عثمان الطلب بدمه. ولم يجرؤ معاوية على أن يسأله استخلافه؛ لأنه يعلم عدم أهليته للأمر، ورفض كرام الصحابة ذلك، وتمسك عثمان بالعزيمة؛ على رغم أنه كان أولى الناس بالترخص، وقد رأى الفتن التي تأججت نارها بين المسلمين، والمخاطر التي هددت مؤسسة الخلافة نفسها؛ فلم يوص لأحد وخرج من الدنيا متحللا من كل التبعات.
أما الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ فقد حرضه العباس ـ رضي الله عنه ـ على أن يسألها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أثناء احتضاره؛ فأبى بشدة وقال [7] : (والله لا أسألها رسول الله أبدا) .
وعقب وفاته - صلى الله عليه وسلم - قبيل بيعة السقيفة، عرض عليه العباس ثانية أن يبايعه على ملأ من الناس [8] فيقولون: عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايع ابن عمه؛ فلا يختلف عليه أحد. فرفض ذلك أيضا.
وعندما توفي عمر رضي الله عنه قال الإمام علي كرم الله وجهه [9] : (يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي
(1) - تاريخ ابن كثير 5/ 250.
(2) - الإمامة والسياسة 1/ 43، الطبري 2/ 264.
(3) - المرجعان السابقان ... .
(4) - الطبري 2/ 264
(5) - الإمامة والسياسة 1/ 42.
(6) - المرجع السابق 1/ 49.
(7) - تاريخ الطبري 2/ 236، تاريخ ابن كثير 5/ 251، السيرة الحلبية 3/ 457.
(8) - الإمامة والسياسة 1/ 21
(9) - - المرجع السابق 1/ 49.
تاريخ ابن كثير 5/ 250.