ـ إكراه التعلق بالسلطة والتمسك بها، اسْتُجيب له بتقوية أجهزة القمع، بتجنيد سفهاء الأمة ومغامريها ومجرميها، وتحويل البلاد معتقلا يكمم الأفواه، ويذل الرقاب، ويبلد الحس، ويصادر كل معالم الإنسانية والإنسان.
ـ إكراه الأجنبي المتغلب، اسْتُجيب له بالخضوع المطلق وتلبية كل مطالبه؛ فأدى ذلك إلى تجريد المجتمعات الإسلامية - تحت شعار الحرية - من كل خلق ودين وكرامة، وإلى إقامة ديمقراطيات شكلية، برلماناتها من الأذناب والمتملقين ورجال الأمن، تغطي نظما استبدادية، المستشارون فيها طفيليات تمتص دماء الأمة وتحتكر ثرواتها، وتعبث بأعراضها، مهما تعدد ما أضفي عليها من صفات العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية والشوروية. إذ الذئب فيها لا يستشير إلا مع ذنبه، والحرية فيها أضغاث أحلام، وسراب وأوهام.
ـ وإكراه الجهل بالنظام السياسي الإسلامي الحق، عُمِلَ على تكريسه بنشر تصورات منحرفة، تبشر بالاستبداد وترسخه وتمد له، فران على مجتمع المسلمين ركام تراث مضطرب، ومتاهات اجتهادات متناقضة، من أقصى دعوات الحكم الفردي المطلق إلى أشد دعوات التحلل الديمقراطي والانسلاخ اللبرالي من كل القيم.
وتبقى النخبة الإسلامية المتحررة من هذه الإكراهات وحدها في مأدبة اللئام، تناضل تخلف الحاضر، ومكر المتآمر، وركام الماضي، وغبش المستقبل، واستضعاف المأوى وقلة الناصر، وتعاني ضرورات الترشيد والتوعية، والتخلية والتحلية والتزكية وأولويات التربية وإعادة التربية. مستعلية بإيمانها، واثقة بربها، لا يضرها من خالفها؛ لأن لها من ربها أوامر ملزمة، تعقبها نتائج يقينية {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ـ آل عمران 139 ـ.
ولئن كانت هذه الفئة المؤمنة لم تول الفقه السياسي ما يستحقه من اهتمام ودراسة، فقد شغلها عن ذلك تثبيت الجذور، وتقويم الجذوع، وعرقل مسيرتها البطش المدجج بأحدث ما تفتقت عنه عبقرية الحضارة الغربية في ميدان القمع والإرهاب والتجسس.