وبما روي عن علي أنه كان عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله وأن أول مصحفه كان: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وكذا مصحف أبي وابن مسعود فيه اختلاف شديد في الترتيب، واختار مكي وغيره أن ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل من النبي صلى الله عليه وسلم وترتيب السور باجتهاد الصحابة.
والمختار أن لكل من النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الكرماني في البرهان بعد أن ذكر الحكمة في قوله تعالى في البقرة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} وليس في القرآن غيره - إن العبادة المراد بها التوحيد، وهو أول ما يلزم العبد، فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن فخاطبهم أولًا بما ألزمهم، ثم ذكر سائر العبادات فما بعدها من السور والآيات.
فإن قيل: ليست سورة البقرة بأول القرآن نوزلًا فيحسن فيها ما ذكرت ..
قلت: أول القرآن: الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران على الترتيب إلى سورة الناس، وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وكان صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولًا: {واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله} فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين. انتهى.
وكذا قال الطيبي: أنزل القرآن أولًا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل متفرقًا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ.
وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة.
لما روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين قفرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب له فيقول: ضعوا في السورة التي فيها كذا وكذا.
وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال الحاكم: جمع القرآن ثلاث مرات:
إحداها: بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم روي عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع - الحديث - وقال: صحيح على شرط الشيخين.
الثانية: بحضرة أبي بكر، فروى البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر بقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله