يفوتوا على اليهود غرضهم السيء، كما في الحديث عن ابن عمر _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تشبه بقوم فهو منهم. ) ) [1]
وأما القول الذي حكي عن عطية أن قوله: {راعنا} كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذًا منهم ذلك عنهم؛ فنقده الطبري قائلًا:"فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلامًا لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به." [2]
وهذا الذي امتثله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده من توضيح الألفاظ وسياقها على مراد السامع وليس الحاكي، وأنه يجب العدول إلى اللفظ البين عن اللفظ الموهم، فقد روي عن عمر _ أنه كتب إلى أهل الكوفة (( إنه ذكر لي أن(مترس) بلسان الفارسية الأمنة فإن قلتموها لمن لا يفقه لسانكم فهو آمن. )) [3]
ونفذ وصية عمر _ الصحابي الجليل: أبو موسى الأشعري _ يوم فتح سوق الأهواز فسعى رجل من المشركين وسعى رجلان من المسلمين خلفه فبينما يسعى ويسعيان إذ قال أحدهما له (مترس) فقام الرجل فأخذاه فجاءا به وأبو موسى _ يضرب أعناق الأسارى حتى انتهى الأمر إلى الرجل فقال أحد الرجلين إن هذا قد جعل له الأمان فقال أبو موسى _: فقد جعل له الأمان قال: إنه كان يسعى ذاهبًا في الأرض وقلت له مترس
(1) رواه أبو داود ج4/ص44 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 2831
(2) تفسير الطبري ج1/ص472
(3) مصنف ابن أبي شيبة ج6/ص511 وأصله في صحيح البخاري 3/ 1157ولفظه (إذا قال مترس فقد آمنه إن الله يعلم الألسنة كلها) . قال ابن حجر: ومترس كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة واسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم (فتح الباري ج6/ص275)