من المنن العظيمة التي يذكر الله بها بني إسرائيل جعلهم ملوكًا واختلف في المراد بذلك وذكر الطبري- رحمه الله - ثلاثة أقوال:
1 -قيل: وجعلكم ملوكًا سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.
2 -وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى عليه السلام لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بني آدم.
3 -وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} أنهم يملكون أنفسهم وأهليهم وأموالهم، بعد الذل والعبودية لفرعون وقومه، وملكهم الدور والمساكن بعد التيه، وأخدمهم الخدم والعبيد بعد أن كانو هم الخدم والعبيد في مصر، فالمرء يشعر بأنه ملك لأنه سيد في نفسه، سيد في تصرفه، وعلى العكس من ذلك الذليل الخاضع الذي لا تصرف له في نفسه، ولا يتمتع بحقه الطبيعي في التصرف، فهو عبد مملوك، وشتان بين العبد المملوك والسيد المالك.
"وقد استشكل بعض الناس على الآية: بأنه لم يعرف أن بني اسرائيل على عهد موسى عليه السلام كان فيهم ملوك وإن وجد فيهم ملوك بعد ذلك، وهذا الاستشكال مبني على فهم أن المراد بالملوك أصحاب السلطة والصولجان، وهو فهم لا يساعد عليه نص الآية، ولا ما جاء في السنة تفسيرًا لها. فنص الآية {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} ، ولو كان المراد ملوك السلطان والصولجان لجاء النص: (وجعل فيكم أو منكم ملوكًا) ، لأنه لم تجر العادة بأن يكون أفراد الشعوب جميعًا ملوكًا بهذا المعنى، ويؤازر ذلك أن الآية فرّقت في التعبير بين جعل الأنبياء وجعل الملوك فقالت إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ولا سر لهذا إلا إرادة معنى في جعلهم ملوكًا يصلح أن يقع فيه الفعل على ضمير المخاطبين، وهذا المعنى هو ما ذكرناه من أنهم صاروا أحرارًا متصرفين سادة لأنفسهم." [1]
(1) تفسير القرآن محمود شلتوت ص 239 مجلة رسالة الإسلام عدد 27