لليهود مع الأنبياء سيرة عجيبة, وصفها الله- تبارك وتعالى- بانقسامهم حيال الأنبياء إلى قسمين: أنبياء كذبوهم, وأنبياء قتلوهم, فبئس ما وصفوا به، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [سورة المائدة 5/ 70] ، و قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [سورة آل عمران 3/ 112] وآيات أخرى كثيرة.
ومع كونهم من أكثر الأمم أنبياء كما مرّ معنا في أن من نعم الله عليهم (كثرة الأنبياء) إلاّ أنهم استحقوا بكل سوء لقب (قتلة الأنبياء) كما قرنها الله بهم في آيات كثيرة، هو وصف لجميع اليهود على مرّ الأزمان, من قتل منهم ومن رضي, قال الطبري رحمه الله عن اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم"ولم يكن من أولئك أحد قتل نبيًا من الأنبياء لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه، قيل إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه وإنما قيل ذلك كذلك لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم من استحلال ذلك واستجازته، فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحلة واحدة، وبالرضا من جميعهم فعل ما فعل فاعل ذلك منهم." [1]
ومعلوم أن من أعظم الناس جرمًا من قتل نبيًا كما قال صلى الله عليه وسلم: (( أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا. ) ) [2] ، وهذا ما فعله اليهود كما في الأثر عن ابن مسعود _ قال: (( قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار ثم أقاموا
(1) : تفسير الطبري ج 4/ص 196
(2) رواه الإمام أحمد ج 1/ص 407 و مصنف عبد الرزاق ج 10/ص 398 وقال المنذري في الترغيب والترهيب ج 3/ص 117 ورواته ثقات