فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج السِّحر الذي
سحرته اليهود به [1]
قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه - صلى الله عليه وسلم - من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسُّم لا فرق بينهما، وقد ثبت في (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سُحِرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إن كان ليُخَيَّل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر [2] .
قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل يجوز عليه - صلى الله عليه وسلم -، كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في بنوَّته، وأما كونه يُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فُضِّلَ من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان.
(1) من كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم) بتحقيق الأرنؤوط 4/ 124 - 127.
(2) أخرجه البخاري 10/ 199 في الطب: باب هل يستخرد السحر، ومسلم (2189) في السلام: باب السحر.