وأصل الخطأ الذي وقع فيه من يدعى أن الله يحب المؤمنين أولياءه كمحبته للمجرمين أعداءه، وأنه يجب علينا أيضا أن نحب أعدائنا المجرمين كمحبتنا لإخواننا المؤمنين هو عدم تفريقه بين مشيئة الله وإرادته من جهة، وإرادة الله ومحبته من جهة أخري، فمشيئة الله واقعة لا محالة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بل كل صغيرة وكبيرة في الكون إنما هي بمشيئة الله وقدرته، سواء أحبها الله أو أبغضها، وهذا يسمى في الإسلام بالتدبير الكوني الذي يتمثل في قضاء الله وقدره، وفعله في خلقه، وهو تدبير قدري حتمي الوقوع، أو تدبير جبري واقع على كل إنسان وكل مصنوع، لا يمكن لأحد رده، ولا يمكن للإنسان صده، ما شاء الله فيه كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو تدبير متعلق بربوبية الله لخلقه، وحكمه الجاري في ملكه، لا خروج لأحد عن تدبيره الكوني، ولا غالب لأمره القدري، فقد يحب فيه أهل الطاعة والإيمان بمشيئته، وقد يبغض فيه أهل الكفر والعصيان أيضا بمشيئته.
أما النوع الثاني من التدبير فهو تدبير أحبه الله لنا وارتضاه لرسله إلينا وهو شرعي ديني تكليفي اختياري خاص بالتزام شريعة وهداية وبيان، وهو تدبير من الله لصالح الإنسان، تظهر من خلاله معاني الكفر والإيمان، ويتميز به أهل العصيان وأهل الإيمان، ويترتب عليه الثواب والعقاب، والعرض والحساب، والنعيم والعذاب، وهذا التدبير هو الذي يفصل في معنى المحبة وأحكامها، والإنسان مخير فيه، يمكن أن يطيع الله أو يعصيه، ومخالفته لله فيه لا تعني أن العبد يخرج عن التدبير الكوني الحتمي الصارم، أو أن مشيئة العبد غلبت مشيئة الرب، سبحانه لا يفني ولا يبيد، ولا يكون في ملكه لا ما يريد على الوجه الكوني.