فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 400

والعملية كالمعتزلة حتى إن هؤلاء يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين الله وبين عباده، فما حَسُن من الله حَسُن من العبد، وما قَبُح من العبد قبُح من الله، ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال. ولا شك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامي وردهم لما جاء به الكتاب والسنة. وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج.

ثم بيّن (57) - رحمه الله - الفرق بين الطريقة القرآنية والطريقة الكلامية في الدعوة إلى الله، وهو أن الطريقة القرآنية البداءة بالأمر بعبادة الله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] ، والعبادة لا بد فيها من معرفة الرب والإنابة إليه والتذلل له والافتقار إليه، وهذا هو المقصود، والطريقة الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والاعتراف بوجوده، وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة كان وبالًا على صاحبه وشقاء له؛ كما جاء في الحديث: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه) (58) ، كإبليس اللعين فإنه معترف بربه مقر بوجوده لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء وكل من شَقيَ فباتباعه له، كما قال: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85] ، فلا بد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه مع أنه معترف بالرب مقر بوجوده وإنما استكبر عن الطاعة والعبادة.

إلى أن قال: ففاتحة دعوة الرسل الأمر بالعبادة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) (59) ، ولم يقل: حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله. وكذلك قوله لمعاذ: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) (60) ، وقال نوح - عليه السلام: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3] ، وكذلك الرسل في سورة الأعراف وغيرها.

قال - رحمه الله - (1) : والذي أكتبه هنا بيان الفرق بين المنهاج النبوي الإيماني العلمي الصلاحي، والمنهاج الصابئ الفلسفي، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامي والعبادي المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم، وذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - دعوا الناس إلى عبادة الله أولًا، بالقلب واللسان. وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره، فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله، وذلك فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تُعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة.

والغرض هنا أن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخِر الذي تصير إليه الحادثات فهو الأصل الجامع فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة وإما أمر مضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت