فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 400

للناس خلاف الحق، والحق إما كتمه وإما أنه كان غير عالم به. فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به الرسول في الأمور العلمية كالتوحيد والمعاد وغير ذلك، يقولون: إن الرسول أحكم الأمور العملية المتعلقة بالأخلاق والسياسة المنزلية والمدنية، وأتى بشريعة عملية هي أفضل الشرائع، ويعترفون بأنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه ولا أكمل منه؛ فإنهم رأوا حُسْن سياسته للعالم وما أقامه من سنن العدل ومحاه من الظلم.

وأما الأمور العلمية التي أخبر بها من صفات الرب وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار فلما رأوها تخالف ما هم عليه صاروا في الرسول فريقين: فغلاتهم يقولون: إنه لم يكن يعرف هذه المعارف، وإنما كان كماله في الأمور العملية والعبادات والأخلاق. وأما الأمور العلمية فالفلاسفة أعلم بها منه، بل ومن غيره من الأنبياء! وهؤلاء يقولون: إن عليًّا كان فيلسوفًا وكان أعلم بالعلميات من موسى، وكثير منهم يعظم فرعون ويسمونه أفلاطون القبطي، ويدَّعون أن صاحب مدين الذي تزوج موسى ابنته - الذي يقول بعض الناس إنه شعيب - يقول هؤلاء: إنه أفلاطون أستاذ أرسطو، ويقولون: إن أرسطو هو الخضر، إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من الجهل والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال. أقل ما فيه جهلهم بتواريخ الأنبياء؛ فإن أرسطو باتفاقهم كان وزيرًا للإسكندر فيلبس المقدوني الذي تؤرخ به اليهود والنصارى التاريخ الرومي، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة، وقد يظنون أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن، وهذا جهل فإن ذا القرنين المذكور في القرآن كان متقدمًا على هذا وكان موحدًا مؤمنًا، وذاك كان مشركًا كان يعبد هو وقومه الكواكب والأصنام ويعانون السحر.

قال الشيخ: والفريق الثاني"يعني من الفلاسفة"يقولون: إن الرسول يعلم الحق الثابت في نفس الأمر في التوحيد والمعاد، ويعرف أن الرب ليس له صفة ثبوتية وأنه لا يُرى ولا يتكلم، وأن الأفلاك قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، وأنه يقول بما عليه هؤلاء الباطنية في الباطن لكنه لا يمكنه إظهار ذلك للعامة؛ لأن هذا إذا ظهر لم تقبل عقولهم وقلوبهم بل ينكرونه وينفرون منه فأظهر لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في دينهم، وإن كان في ذلك تلبيس عليهم وتجهيل لهم واعتقادهم الأمر على خلاف ما هو عليه، لما في ذلك من المصلحة لهم! انتهى المقصود من كلامه.

قال الشيخ - رحمه الله - في الجواب عما قاله أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف له منكرًا على من أثبت لله من الحنابلة الصفات الذاتية كالعين والصورة واليدين والوجه، والصفات الفعلية كالنزول والاستواء والعجب، وقولهم: إن ذلك يحمل على ظاهره، قال الشيخ (4) : إن الحنابلة إنما تنازعوا في المسائل الدقيقة أما الأصول الكبار فهم متفقون عليها، ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعًا وافتراقًا لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيّنة لما تنازع فيه الناس ما ليس لغيره، وأقواله مؤيدة بالكتاب والسنة واتباع سبيل السلف الطيب. ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة وفقهائها ومتكلمتها وصوفيتها ينتحلونه.

ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل؛ فإن هذا أمر لا بد منه في العالم. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن هذا لا بد من وقوعه، وأنه لما سأل ربه أن لا يلقي بأسهم بينهم مُنع ذلك (5) . فلا بد في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة، كما أنه لا بد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت