إلى أن قال - رحمه الله: فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له. فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين، لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا مَلَك ولا نبي ولا غيره بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندًا وهو خلقك. والشرك أن تجعل لغيره شركًا؛ أي: نصيبًا في عبادتك وتوكلك واستعانتك.
قال (28) - رحمه الله - في بيان أن العبد لا يسأل إلا الله بعد أن أورد قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس (29) : (إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله) .
قال: وفي الترمذي (30) : (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر) ، وفي الصحيح (31) أنه قال لعوف بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: (لا تسألوا الناس شيئًا) ، فكان سوط أحدهم إذا سقط من يده لا يقول لأحد ناولني إياه). وفي الصحيح (32) من حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون) ، والاسترقاء طلب الرقية، وهو نوع من السؤال.
قال - رحمه الله: وأحاديث النهي عن مسألة الناس كثيرة؛ كقوله: (لا تحل المسألة إلا لثلاثة) (33) ، وقوله: (الآن يأخذ أحدكم حبله. . .) (34) ، وقوله: (من سأل الناس وله ما يغنيه) (35) ، وأمثال ذلك.
وهذا الذي ذكره الشيخ من الآيات والأحاديث شرح لقوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله) ؛ إذ مفهومه المنع من سؤال غير الله، وذلك أن يسأل الناس شيئًا من أمور الدنيا لما في ذلك من الذلة والافتقار إلى غير الله؛ فأما سؤال أهل العلم فإنه غير داخل في هذا المنع لأن الله قد أمر به في قوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، والمقصود سؤالهم عن أمور الدين التي تشكل على السائل.
قال - رحمه الله: فأما سؤال ما يسوغ من العلم فليس من هذا الباب لأن المخبِر لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك. قال - صلى الله عليه وسلم: (هلا سألوا إذ لم يعلموا. فإن شفاء العي السؤال) (36) ، ولكن من المسائل ما ينهى عنه؛ كما قال تعالى: {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء} [المائدة: 101] ، وكنهيه عن أغلوطات المسائل (37) ، ونحو ذلك.
ثم استشكل الشيخ - رحمه الله - قضية: طلب الدعاء من الغير؛ هل هي من السؤال الممنوع أو من السؤال الجائز؟ فقال (38) - رحمه الله: وأما سؤاله لغيره أن يدعو له، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: (لا تنسنا من دعائك) (39) ، وقال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة) (40)