وقال السمعاني: واختلاف الألوان معلوم بين الناس، وإن كان كلهم بيضًا أو سودًا، فلا يتفق لونان من جميع الوجوه. وفيه حكمة عظيمة، وهو أنه لو اتفقت الألوان والألسنة لبطل التمييز، فلم يعرف الأب ابنه، والابن أباه، وكذلك في الإخوة والأزواج وجميع الناس. [1]
قال ابن عطية: يحتمل أن يريد ضروب بني آدم وأنواعهم نِعم، وأشخاص الأخوة ونحوهم تختلف بالألوان ونِعم الألسنة وبذلك تصح الشهادات والمداينات وتقع الفروق والتعيين فهكذا تبين النعمة. [2]
قال ابن الجوزي: المراد باختلاف الألوان: اختلاف الصُّوَر، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل. [3]
قال ابن كثير: واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا -منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة: كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرا كان أو خفيا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر. [4]
قال ابن دريد: لَوْن كل شيء: ما فصل بينه وبين غيره، والجمع ألوان. وفي التنزيل: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} وتلوّن فلان علينا، إذا اختلفت أخلاقُه. قال الشاعر:
فما تدومُ على حالٍ تكون بها ... كما تَلَوَّنُ في أثوابها الغُولُ. [5]
الترجيح:
والراجح والله أعلم هو الحمل على العموم. وذلك لعدة أمور:
(1) تفسير السمعاني (4/ 204) .
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 327) .
(3) زاد المسير (6/ 293) .
(4) تفسير ابن كثير (3/ 428) .
(5) جمهرة اللغة: (2/ 57) ، والبيت من قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في خزانة الأدب (4/ 188) ، وفيها: ... لكنها خلةٌ قد سيط من دمها ... فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديل.
فما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول.