واُعترض على هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أن المراد بملة إبراهيم - عليه السلام - أصول الإيمان من التوحيد والإنابة وإخلاص الدين، ولهذا بينها بقوله تعالى: {حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل: 123)
وأما تفاصيل الشريعة فتختلف في ملتنا عن ملة إبراهيم - عليه السلام - كما قال الله تعالى:
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48)
الوجه الثاني: أن الختان وإن دخل في ملة إبراهيم ـ عليه السلام - فمتابعته فيها أن تفعل على الوجه الذي فعله، فإن كان فعلها على سبيل الوجوب فاتباعه أن يفعلها كذلك، وإن كانت على سبيل الندب فاتباعه أن يفعلها على وجه الندب.
ولا دليل على أن فعل إبراهيم عليه السلام لها كان على سبيل الوجوب، بل هي إلى الندب أقرب، إذ الخصال الأخرى ليست بواجبة: كالسواك ونتف الإبط وغير ذلك،
وعلى هذا فالختان سنة، بدلالة اقترانه بباقي المستحبات كما في حديث:"الفطرة خمس".
وأُجيب عن هذا:
أولًا: بأن التوحيد ليس مجرد القول بل هو قول وعمل واعتقاد.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ كما في تحفة المودود:
فالملة هي الدين، وهى مجموع أقوال وأفعال واعتقاد، ودخول الأعمال في الملة كدخول الإيمان فالملة هي الفطرة، ومحال أن يأمر الله سبحانه باتباع إبراهيم في مجرد الكلمة دون الأعمال وخصال الفطرة، وإنما أمر بمتابعته في توحيده وأقواله وأفعاله وهو صلى الله عليه وسلم (إبراهيم) اختتن امتثالًا لأمر الله الذي أمره به وابتلاه به، فوفاه كما أمر فان لم نفعل كما فعل لم نكن متبعين له. أهـ
وكذلك لم يأمرنا فقط باتباع ملة الخليل ـ عليه السلام ـ بل أمرنا أيضًا بالاقتداء بهديه ـ عليه السلام ـ حيث قال سبحانه لنبينا - صلى الله عليه وسلم - بعدما ذكر جملة من الأنبياء منهم إبراهيم عليه السلام
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ... (الأنعام: 90)
ثانيًا: قولهم: بأنه لا دليل على أن فعل إبراهيم عليه السلام - كان على سبيل الوجوب.
فلقد أجاب النووي عن هذا كما في المجموع (1/ 298) فقال: