هذين الحدثين نجد أن سبب الأول هو افتتان النساء بجمال صورته، وسبب الثاني هو انبهارهم بجمال صورة علمه، ونتيجة الأول الحبس ونتيجة الثاني الرفعة في الدنيا، فتبين من ذلك أن جمال صورة العلم تفعل ما لا تفعله جمال صورة الجسم.
المثال الثالث:
في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9 ) ) [الحجر: 9] وقوله: (( (( (هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(104 ) ) [يوسف: 104] وقوله: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52 ) ) [القلم: 52] :
فمما يستنبط من هذه الآيات: أنه يجب علينا طلبُ علمه [1] .
وبيان وجه هذا الاستنباط:
أنه حين يوصف القرآنُ في آياته بأنه ذكر للعالمين، فعلينا أن نفهم أن الواجب بالنسبة إليه أن نعلمه أولًا، ثم نذكر ما فيه دائمًا، لأن الله عز وجل يطالبنا باعتقاد عقائده دائمًا، وبالتزام أخلاقه دائمًا، وبالعمل بشرائعه دائمًا، وهذا لا يكون إلا بذكره دائمًا عند كل مناسبة تستدعي ذكره [2] .
تحليل الاستنباط:
وعند النظر في هذا الاستنباط فإننا نلاحظ أنه استنباط عن طريق معرفة لوازم الأمر ومقتضياته، وهو طريق مهمٌّ من طرق الاستنباط، وهو أن يراعي المستنبطُ لوازم ما ذكره الله تعالى من المعاني والأوامر وما تستدعيه من المعاني التي لم يصرح اللفظ بذكرها.
يقول الشيخ السعدي (ت: 1376 هـ) :"وهذه القاعدةُ من أجلِّ قواعدِ التفسير وأنفعها، وتستدعي قُوَّةَ فِكْرٍ وحُسْنَ تدبُّرٍ وصحةَ قَصْدٍ، فإنّ الذي أنزله [3] هو"
(1) قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل للميداني: (245) .
(2) انظر: قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل: (245) . بتصرف.
(3) الضمير يعود للقرآن.