على أن الغريب في هذه القصة ما أدخله عليها المغفلون من دسائس الشهوة ومظاهر الحب الرخيص. فقد زعموا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب زينب, ثم كتم هذا الحب, ثم ظهر فتزوجها بعدما طلقت.
ونحن نتعجب _يقول الشيخ الغزالي_ أشد العجب لهذا الخبط الهائل, ومحاولة تلبيس الحق بالباطل.
من كان يمنع محمدا - صلى الله عليه وسلم - من الزواج بزينب وهي من أسرته_بنت عمه_ وهو الذي ساقها إلى رجل لم تكن فيه راغبة, وطيب خاطرها لترضى به؟!
أفبعد أن يقدمها لغيره يطمع فيها؟!
ثم لننظر إلى الآية وما يزعمون أنها تضمنته من عتاب.
إنهم يقولون: الذي كان يخفيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه ويخشى فيه الناس دون الله هو ميله لزينب؛ أي أن الله-بزعمهم- يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل!!
ونقول: هل الأصل الأخلاقي أن الرجل إذا أحب امرأة لغط بين الناس مشهرا بنفسه وبمن أحب, وخصوصا إذا كان ذا عاطفة منحرفة جعلته يحب امرأة رجل آخر؟!!.
هل يلوم الله رجلا لأنه أحب امرأة آخر فكتم هذا الحب في نفسه؟! أكان يرفع درجته لو أنه صاغ فيها قصائد غزل؟!.
هذا والله هو السفه!
وهذا السفه هو ما يريد بعض المغفلين أن يفسروا به القرآن!!.
فالذي أخفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه تأذّيه من هذا الزواج المفروض، وتراخيه في إنفاذ أمر الله به، وخوفه من لغط الناس عندما يجدون نظام التبني -كما ألفوه- قد انهار.
وقد أفهم الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن أمره سبحانه لا يجوز أن يقفه توهم شئ ما، وأنه _بإزاء التكليف الأعلى_ لا مفر له من السمع والطاعة، شأن من سبقه من المرسلين.
وإذا عدت إلى الآية التي تتضمن القصة, وجدتها ختمت بقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) } الأحزاب: 37. أي من حقه أن يقع حتما.
ثم أعقبها ما يؤكد هذا المعنى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } الأحزاب.