قال العلامة ابن عاشور: والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلمين؛ فأثبته جمهور أهل السنة لكثرة ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة مع اتفاقهم على أنها رؤية تخالف الرؤية المتعارفة [1] .
وقد نفى الشيخ في غير موطن من التفسير رؤية الله سبحانه و تعالى, مصرحا تارة وملمحا أخرى, فعند قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) } البقرة. قال: يعني عيانا، وفي هذا الكلام دليل واضحٌ على أن من أجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض, تعالى الله عن ذلك [2] .
فقوله إن من أجاز على الله الرؤية, فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض, فيه إشارة من طرف خفي على أنه يقول بنفي الرؤية عن الله تعالى, وهذا تأويل بعيد من الشيخ, والغرض منه نفي رؤية الله تعالى.
وعند قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } الأنعام. قال: والآية تدل على أنه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه يمدح بنفي الرؤية عزّ وجل عما يقول المبطلون وهو يدرك الأبصار لا يخفى عليه شيء ولا يفوته [3] .
وعند قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } المطففين. قال: عن رحمته وإحسانه وكرامته [4] , يعني محجوبون.
قلت وليس هذا هو المراد من الآية, بل المراد أنهم محجوبون عن النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى؛ لأن سياق الآية في الحديث عن المكذبين بيوم الدين, فكان جزاؤهم حرمانهم لذة النظر إلى وجهه الكريم جل وعلا, حين كذبوا وأنكروا يوم الدين, ويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة أن المؤمنين لا يحجبون عن ربهم.
(1) "التحرير والتنوير": ج 6 ص 252.
(2) التفسير: ص 21.
(3) التفسير: ص 182.
(4) التفسير: ص 795.