وتبعث العزّة في نفوس العرب والمسلمين, لأنّ حضارتهم حضارة عظيمة. يقول السّيّد محب الدّين أنّه قرأ رواية آخر بني سراج [1] من تأليف فيكونت شاتوبريان [2] , وترجمة شكيب أرسلان, وكتاب خلاصة تاريخ الأندلس لمؤلّفه شكيب أرسلان, منذ أن كان يدرس في الجامعة, مع صديقه الشّهيد عارف الشّهابي, وقرر أن يقرأ هذين الكتابين على عدد كبير من إخوانه طلبة المدارس العليا, فكان هذان الكتابان, كما يقول:"أحد العوامل الّتي أيقظت فينا عاطفة الإعجاب بسلفنا, والحرمة لماضينا, وكوّنت في أنفسنا عقيدة قوميّة قائمة على أساس الاتصال بين الحاضر والماضي والمستقبل" [3] . وهذا ما دفعه إلى الاهتمام بنشر كتب التّراث, إيمانًا منه أنّ الماضي لا ينفصل عن الحاضر ولا عن المستقبل, بالعكس كلّما كنّا أكثر معرفة واعتزازًا بماضينا, كنّا أقدر على إصلاح حاضرنا والنّهوض بمستقبلنا.
وكانت المطبعة السّلفيّة مهتمّة أيضًا بنشر المفيد من الكتب المعاصرة, وخاصة تلك الّتي تتحدّث عن الأدب والدّين والعلم, والملتزمة بالنّهج الرّاقي, البعيد عن الإسفاف, وإثارة الغرائز. فكانت مبتعدة عن نشر قصص الجريمة, أو الإثارة, أو الشّعر الهابط, أو كتب الطّبخ, وغيرها من الكتب الّتي لا تحمل قيمة, ولا تفيد في نهضة, بل كانت تشجّع كلّ كاتب جادّ له رسالة, ويحمل فكرًا, أن يُسهم في نهضة الأمّة العربيّة والإسلاميّة.
وكانت المطبعة السّلفيّة تنشر مجلتي الزّهراء والفتح, ونشرت معهما كتبًا كثيرةً, ألّفها أو ترجمها السّيّد محب الدّين الخطيب, مثل كتابه الضّخم الحديقة, الّذي نشره في أربعة عشر جزءًا. وكتاب الدّكتور صلاح الدّين القاسمي, آثاره, الّذي يُعدّ وثيقة تاريخيّة هامّة في عصرنا. ونشرت كتاب مذكّرات غليوم الثّاني, الّذي ترجمه ونقله إلى قرّاء العربيّة, وكتاب مع الرّعيل الأوّل الّذي يتحدّث فيه عن الصّحابة الأوائل, وما يمكن أن نستفيد منهم في حياتنا, وغيرها من الكتب الهامّة الّتي ألّفها أو الّتي ترجمها أو الّتي حقّقها.
وقامت المطبعة السّلفيّة, كما قلنا, بنشر كتب هامّة أيضًا لكتّاب كبار, مثل كتب العالم الفاضل محمّد الخضر الحسين, والّتي نذكر منها الدّعوة إلى الإصلاح, ونقض كتاب في الشّعر الجاهلي, ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم, وكتاب الخطابة عند العرب, وكتاب علماء الإسلام في الأندلس, وكتاب العظمة, وغيرها من كتبه الكثيرة والقيّمة.
ونشرت أيضًا كتب العلّامّة أحمد تيمور, ونذكر منها نظرة تاريخيّة في حدوث المذاهب الأربعة, و رسالة في الطّربوش, وتصحيح أغلاط القاموس المحيط, وغيرها.
ونشرت المطبعة السّلفيّة أيضًا كتابًا هامًّا للكاتب الكبير عبد الوهاب خلاف [4] , وهو السّياسة الشّرعيّة أو نظام الدّولة الإسلاميّة. وكتب السّيّد محب الدّين مقدّمة له جاء فيها:"إنّ الإسلام عقيدة وعبادة وحكم, لأنّه جاء للناس بسعادتي الدّنيا والآخرة, وقد زخرت المكتبة الإسلاميّة بالمؤلّفات في بيان عقيدة الإسلام,"
(1) ـ كتب شاتوبريان رواية آخر بني سراج عام 1826, واسمها بالفرنسيّة Le Dernier d'Aben Serraj, وهي قصة رومانسية تحكي عشق نبيل من نبلاء غرناطة لفتاة أسبانية لا ينالها حتى الموت. انظر,"أوراق غرناطة", في أخبار اليوم, أخبار الأدب , 389 (28 رمضان 1421/ 24 ديسمبر 2000) , مأخوذ عن www.akhbarelyom.org.eg
(2) ـ فيكونت دي شاتوبريان, ولد في 1768 م بسان مالو, وسط عائلة أرستقراطية, بدأت اهتماماته السياسية تتنامى مع اندلاع الثّورة الفرنسية 1789 م, واتّخذ موقفًا معاديًا منها. هاجر إلى أمريكا عام 1791 م, وفي سنة 1800 م عاد لباريس, ومع مطلع سنة 1806 م انطلق الى الشرق, من مولّفاته روايات آتالا ورينيه, وآخر بني سراج, ومسرحيّة مأساة موسى, وقد عدّه بعضهم المؤسس الحقيقي للرومانسية الفرنسية؛ انظر, مجموعة مؤلفين, المنجد في الأعلام, 326؛ والمختار, الحسن,"مبدعًا ومتسكّعًا", بيان الثقافة, عن www.alimbaratur.com
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"آخر بني سراج", في الزّهراء, 2 (15 محرّم , 1344) , 61.
(4) ـ عبد الوهاب خلّاف, فقيه أصولي من أهل مصر, درس الشّريعة بكليّة الحقوق بجامعة القاهرة, من آثاره مصادر التّشريع فيما لا نص فيه, وعلم أصول الفقه, وغيرها, توفّي سنة 1375/ 1956؛ انظر, كحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 5, 221؛ والزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 4, 266.