وأخذنا من ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالًا لمقامه، وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير.
وقد قرأنا عليه في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، طائفة من أفضل ما صنف في موضوعه، وهي لعمر الحق دالة على حسن اختياره، وسلامة ذوقه، وقوة علمه، وشدة حرصه على النهوض بطلابه، وإعدادهم للنهوض بأمتهم.
وقد كنت نظمت أبياتًا جمعت فيها بين ذكر هذه الكتب، ووصف دروس الأستاذ، وجعلتها ذكرى لنفسي ولمن شاركوني في الطلب والتحصيل، عند أستاذنا الجليل، فقلت:
يا سائلي عَنْ درسِ ر ... بِّ الفضْل مولانا الإمام
ابن الحسين التونسيِّ ... محمد الخضر الهمام
سَلْ عنهُ مُسْتصفى الأصـ ... ـول لليث معترك الزحام
أعني الغزاليَّ الحكيـ ... ـم رئيس أعلام الكلام
وكذاك في فن الخلا ... ف بداية العالي المقام
أعني ابنَ رُشْدٍ مَنْ غدا ... بطل الفلاسفة العظام
وكذا صحيح أبي حسيـ ... ـنٍ مسلمٍ حَبْرِ الأنام
وكذلك المغني إلى ... شيخ النحاة ابن الهشام
وكذا كتاب أبي يزيـ ... ـد ابن المبرّد في الختام
تلك الدروس كما الشمو ... س تنير أفلاك الظلام
يدني إليك بها حقا ... ئق كل علم بانسجام
فتكون منك دقائق الـ ... ـمعنى على طرف الثمام
فالحق عوضنا به ... من شيخنا شيخ الشآم
أبقى الله _ تعالى _ أستاذنا الخضر الجليل للدين والعلم والأدب ركنًا ركينًا، وحصنًا حصينًا+ (1)
(1) _ مجلة (الهداية الإسلامية) الجزء الثاني من المجلد العاشر الصادر في شعبان 1356 هـ
وهي كلمة المؤلف ألقاها عقب محاضرة الإمام محمد الخضر حسين في المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية حاليًا) في دمشق في جمادى الآخرة سنة 1356 هـ تحت عنوان (أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية) وانظر محمد بهجة البيطار إعداد علي الرضا الحسيني.