ولقد تعرفا على بعض في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، واستمرت صداقتهما إلى أن فارق الخضر الدنيا عام 1377 هـ ..
وأما الطاهر فعاش إلى عام 1393 هـ حيث عُمِّر سبعًا أو ثمانيًا وتسعين سنة.
ولقد فَرَّق الاستعمار بينهما، حيث حكم على الشيخ الخضر بالإعدام والجلاء، فخرج من تونس عام 1331 هـ وتقلَّب في عدد من البلاد، ومات في مصر.
وكان كثيرًا ما يكاتب الطاهر، ويرد على كتاباته، ويبعث إليه أشواقه، وتحاياه، وتهانيه إذا ما تقلد منصبًا.
وهذه نماذج مختارة مما كان بينهما من مودة ومكاتبات.
بعد هجرة الشيخ الخضر من تونس عام 1331 هـ بعث إليه صديقه محمد الطاهر بن عاشور وهو كبير القضاة بتونس رسالة مصدرة بالأبيات التالية:
بَعُدْتَ ونفسي في لقاك تصيدُ ... فلم يُغِنِ عنها في الحنان قصيد
وخلَّفت ما بين الجوانح غصة ... لها بين أحشاء الضلوع وقود
وأضحتْ أمانيْ القرب منك ضئيلةً ... ومرُّ الليالي ضعفها سيزيد
أتذكر إذ ودَّعْتنا صبحَ ليلةٍ ... يموج بها أنسٌ لنا وبرودُ
وهل كان ذا رمزًا لتوديع أنسنا ... وهل بعد هذا البين سوف يعود
ألم ترَ هذا الدهر كيف تلاعبت ... أصابعه بالدر وهو نضيد
إذا ذكروا للود شخصًا محافظًا ... تجلى لنا مرآك وهو بعيدُ
إذا قيل: مَنْ للعلم والفكر والتقى ... ذكرتُك إيقانًا بأَنْكَ فريد
فقل لليالي: جَدِّدي من نظامنا ... فحسبكِ ما قد كان فهو شديد
ثم كتب تحت هذه الأبيات: =هذه كلمات جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثها على عِلاتها، وهي _ وإن لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة _ فإن الود والإخاء والوجدان النفسي يترقرق في أعماقها+.
ولما وصلت تلك الرسالة إلى الشيخ محمد الخضر حسين أجاب بالأبيات التالية:
أينعم لي بالٌ وأنت بعيد ... وأسلو بطيف والمنام شريد
إذا أجَّجتْ ذكراك شوقيَ أُخْضِلَتْ ... لعمري بدمع المقلتين خدود