فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 3211

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:

وَذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَةَ مَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ شَاقٌّ عَلَيْهَا، وَصَعْبٌ خُرُوجُهَا عَنْهُ، وَلِذَلِكَ بَلَغَ أَهْلُ الْهَوَى فِي مُسَاعَدَتِهِ مَبَالِغَ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ حَالُ الْمُحِبِّينَ1، وَحَالُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَمَّمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَضُوا بِإِهْلَاكِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِمُخَالَفَةِ الْهَوَى، حَتَّى قَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الْجَاثِيَةِ: 23] .

وَقَالَ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النَّجْمِ: 23] .

وَقَالَ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 14] .

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَلَكِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا قَصَدَ بِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ2 الْمُكَلَّفِ عَنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عبدًا لله، فإذن مُخَالَفَةُ الْهَوَى لَيْسَتْ مِنَ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّكْلِيفِ، وَإِنْ كَانَتْ شَاقَّةً فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً حَتَّى يُشْرَعَ التَّخْفِيفُ لِأَجْلِ ذَلِكَ3، لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِمَا وُضِعَتِ الشَّرِيعَةُ لَهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَبَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ بَعْدُ إِنْ شاء الله.

1 انظر شيئا من ذلك في كتاب"ذم الهوى"لابن الجوزي في الباب التاسع والثلاثين وما بعده"ص259 وما بعدها"وفي طوق الحمامة"لابن حزم"ص7 وما بعدها""

2 في"خ"محرفة إلى"إخراس".

3 في"ط":"لأجلها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت