الصفحة 6 من 21

قوله:"ينافقني": أي يتودد إليه ويتقرب منه، ويظهر له خلاف ما يبطن، والترابي كان في الوقت الذي أجرى فيه هذه المقابلة مع"المحرر"الرجل الأول في النظام، وكان لابد من عودة رئيس الدولة - عمر البشير - إليه لعرض أموره عليه وأخذ التعليمات منه، وطلابه يعرفون كيف بطش بزملاء وأساتذة لهم من قبل، وسيكون مصيرهم كمصير مَنْ سلفهم إن لم يسترضوا شيخهم ويتوددون إليه بعبارات يعلمون أنه لا يستحقها، وهذا النوع من النفاق، اسمه"نفاق عملي"، وهو ليس أكثر من معصية وصاحبه لا يكفر، أما النفاق الذي يقود صاحبه إلى الدرك الأسفل من النار فهو"نفاق اعتقادي"ولا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، لأن محله القلب، ونحن نحكم على ظاهر أفعال المرء، ولسنا مكلفين بالبحث عما تكنه صدور الناس، وفي بعض الحالات قد نحكم على أنواع معينة من الناس - ومن خلال الظاهر - بالنفاق الأكبر، ومن الأمثلة على ذلك العلماني الذي يدعو إلى مذهبه ويؤذي الدعاة إلى الله ثم نراه يصلي في المناسبات العامة لتلتقط له الصور.

فهل كان الترابي يجهل الفارق بين هذين النوعين من النفاق: الاعتقادي والعملي؟ أم كان يخلط خلطًا متعمدًا، ويستغفل عقلية المخاطبين بمقابلته مع صحيفة المحرر؟!.

أمر آخر لابد من الإشارة إليه ما دمنا في صدد الحديث عن النفاق، وذلك أن النفاق عند النصارى في بلادنا أظهر منه عند غيرهم لأنهم يكرهون ديننا، ويفضلون علينا إخوانهم نصارى أوربا وأمريكا، ولا يستطيعون البوح بذلك فيظهرون لنا خلاف ما يبطنون.

أما دعوة الترابي إلى الإخاء الديني وإلى تكوين جبهة أهل الإيمان [اليهود، والنصارى، والمسلمون] فقديمة مثل كثير من انحرافاته، وقد كان يلقى أعقاب كل محاضرة يلقيها من يحاول نصحه وإقامة الحجة عليه، فما يزيده ذلك إلا إصرارًا وتمسكًا بما يدعو إليه، فإذا قيل له: ألم يقل الله جلَّ وعلا عن اليهود كذا وكذا - يذكرون له الآيات التي أنزلها الله بحقهم - أجاب: يهود اليوم ليسوا هم اليهود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم (عن مجلة الطالب السوداني) ، وفي محاضرة له في جامعة الخرطوم أجاب: اليهود الذين أتحدث عنهم ليسوا صهاينة.

وإذا قيل له: لقد أخبرنا الحق جلَّ وعلا في محكم كتابه بأن اليهود والنصارى كفار، أجاب: كلمة الكفر لا تعني الخروج عن الملة، وإنها بمعنى تغطية بعض الحق مثل المسلم الذي يقارف معصية، ثم يتوب منها .. ثم يمضي الترابي قائلًا:"بل سماهم الله في القرآن أهل الكتاب، فهم مؤمنون"، ولأنهم مؤمنون يشاركهم المسؤولون السودانيون - في دولة الترابي - في أعيادهم، ويسمحون لهم ببناء الكنائس وغير ذلك من الأنشطة دون حدود أو قيود.

وكتعليق عابر نقول: إن المسلمين الذين نالوا الحد الأدنى من ا لعلوم الشرعية يعلمون أن الترابي فيما يدعيه ويدعو إليه يُكذِّبُ قوله تعالى:] لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم [[المائدة:17] . وقوله:] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة [[المائدة:73] ، وقوله:] وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه [[المائدة:18] ، وقوله:] وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحُ ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [[التوبة:30 - 31] .

وإذن: لقد كفر اليهود والنصارى لأنهم كانوا يعتقدون بأن لله ولدًا، وأنه ثالث ثلاثة، وهذا هو الكفر الأكبر.

وكفر اليهود والنصارى لأنهم زعموا بأن القرآن الكريم ليس كلام الله، وأنه سبحانه وتعالى لم يرسل محمدًا r بشيرًا ونذيرًا، ولهذا فقد أجمع علماء الملة على كفر اليهود والنصارى، وكفر من لم يكفرهم أو شك في كفرهم ما لم يكن معذورًا بجهله. والعذر بالجهل يزول بعد إقامة الحجة عليه، وليس من المعذورين بجهلهم من يدعو إلى هذه الضلالة من خلال المنتديات التي يحاضر بها أو المقابلات الصحفية التي يعقدها، ويسمع في هذه وتلك ردود العلماء فما تزيده إلا إصرارًا على بدعته ودأبًا في الدعوة إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت