محمد سرور بن نايف زين العابدين
مقدمة:
كنت أعلم أن للترابي أفكارًا منحرفة عن النهج الذي كان عليه رسول الله وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد أشرت بالنقد إلى شيء منها في كتابي:"دراسات في السيرة النبوية"الذي صدر في طبعته الأولى [عام 1407 ه الموافق عام 1986 م] .
وما كنت أجد فيما كان يقوله الرجل - رغم خطورته - شيئًا قد انفرد به، فمن قبله كان الشيخ محمد عبده وتلامذته ينكرون نزول المسيح عليه السلام، ويردون حديث الذبابة وغير ذلك من الأمور التي لا تستسيغها عقولهم، ومن هنا جاء اعتراضي في يوم من الأيام على من اتهم حسن الترابي بالزندقة، وكنت أرى أن في هذا الاتهام نوعًا من المجازفة التي لا ينبغي أن تصدر عن شيخ فاضل يقف على قدم راسخة من العلم والفضل والورع - ولا أزكي على الله أحدًا -.
صرفتني المشاغل عن الترابي وأفكاره، وكان خلال هذه الفترة يتردد علي من يأتيني بكتاب له [رغم ندرة مؤلفاته] أو بخبر محاضرة من محاضراته وما ورد فيها من غرائب وتناقضات، وكنت أحاول سماع الشريط أو قراءة الكتاب، فلا أستطيع المضي معه أكثر من عشرات الدقائق لأنني لا أجد فيما يقول إلا فلسفة خالية من العلم الشرعي - وحتى من الوضوح - أو من التنظير السياسي الذي يستحق الاحترام والتقدير، ولا أريد أن أضيّع وقتي بشيء لا فائدة منه.
ثم بدأت أسمع أخبار معارك بين الترابي من جهة وبعض رفاق دربه من جهة أخرى، فلم أعرها أي اهتمام لأنها وإن أخذت في ظاهرها شكلًا منهجيًا عقديًا، كانت في حقيقتها صراعًا حزبيًا داخل الجماعة الواحدة، وهجمة شرسة من القيادة ضد كل من يتمرد على أنظمتها وتعليماتها، ولو كان محقًا من الوجهة الشرعية في المسألة التي يتمرد عليها.
وفي عام 1989 قاد بعض العسكريين انقلابًا في السودان، وتضاربت الأقوال في تحديد هوية الانقلابيين، فمن قائل إنه إسلامي، ومن قائل إنه كأي انقلاب عسكري، ولو كان إسلاميًا لما أقدم على سجن شخصية إسلامية في حجم الدكتور حسن عبد الله الترابي. من جهتي لم أكن من المتحمسين لهذا الانقلاب، لا في بدايته عندما كان أمره غامضًا، ولا عندما خرج الترابي من السجن، وأكثر من القول في مجالسه الخاصة إنه انقلابنا وقادته أبناؤنا، وما كان سجني إلا بقصد التمويه .. لم أكن من المتحمسين لهذا الانقلاب، لأنني كنت أراه صدمة أخرى للذين يتطلعون ويتشوقون إلى عودة الأمة الإسلامية إلى كنف ربها، بعد الصدمة الأولى التي طبل لها الإسلاميون وزمروا، ثم كان من أمرها ما كان مما لم يعد يجهله أحد، ومما كان يزيد من قناعتي ويرسخها أن الذين يسوقون للصدمة الثانية هم أنفسهم الذين كانوا يسوقون للصدمة الأولى.
ثمة أسباب دفعتني إلى الاهتمام بثورة الإنقاذ في السودان:
منها: أن بعض من نحترم آراءهم، ونثق بمواقفهم كتبوا لمجلة"السنة"معترضين على صمتها، وعدم إعطاء حكم الإنقاذ حقه من التأييد والنصح.