1 -في [17/ 4/1995] أجرت مجلة"دير شبيغل"الألمانية مقابلة مع د. الترابي، وقرأتها باهتمام بعد أن ترجمها لي أحد الإخوة علني أجد فيها الحنكة والدهاء في مخاطبة الغربيين - كما يقول المعجبون به -، ولكن الترابي في نسخته الأعجمية هو نفسه الترابي في نسخته العربية، ونقدم فيما يلي أحد الأسئلة التي وجهتها إليه المجلة وجوابه عليها:
السؤال:".. لكن لا يوجد تفسير موحد للشريعة، هل يجب قطع يدي ورجلي السارق؟، وهل جزاء المرتدين عن الدين القتل؟".
الأمانة تقتضي أن يبيّن لهم الحكم الشرعي ثم يستخدم عبقريته ومواهبه في إبراز عدل هذا الحكم وأحقيته وتفوقه على القوانين والأحكام الغربية، لكنه آثر إرضاء الكافرين على إرضاء رب العالمين، فقال:
"هذه الحدود لا تقام اليوم في السودان، لأن تفسيرنا للشريعة متطور أكثر مما هو عليه الحال في البلاد الإسلامية الأخرى. لا يوجد أحد قط في مؤتمرنا الشعبي الإسلامي يُحرِّم المرأة من حق توليها مناصب عامة في الدولة، أو ينكر لها الحق في تولي منصب رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء".
وفي مقابلة أخرى له مع صحيفة القدس العربي اللندنية [26 محرم 1421 الموافق 1/ 5/2000] قلل من شأن إقامة الحدود، وزعم أن"عامة المسلمين وعامة الفقهاء الذين يسمون أنفسهم علماء لا يحملون إلا التراث محفوظًا في أذهانهم، ظنوا أن الحدود هي الشريعة، فأول تطبيق كان لإشهار تطبيق الإسلام للناس ليفرحوا بذلك، ولم يكن ذلك صوابًا .. ليس من الدين .. الكلمة نفسها وموقع هذه العقوبة .. الأحكام الجنائية الإسلامية ضئيل جدًا فالناس تركوا غالب هذه الأحكام وتحدثوا في أربعة أو خمسة حدود أو دون ذلك".
ثم يشير إلى خوفه من ردة الفعل العالمية لو أقيمت الحدود فيقول:
"الآن لما قام القانون الجنائي الذي كان معدًا أيام الحكم السابق في الجمعية التأسيسية، لكنه الآن نفذ من الواقع للإعلام العالمي والضغط العالمي .. الضغط العالمي شديد في مسألة الحدود هذه خاصة بعد قطع أو جلد زان أو مختمر إلا في البلاد التي يوازن الضغط أيضًا رخاء في الثروة عندها، كالبلاد الإسلامية التي تجاورنا شرقيًا [يقصد السعودية] .. فلأنهم يطمعون في ثرواتها يسكتون، حتى لو رأوا بأعينهم الحدود وكرهوها. أما هنا فإذا وجدوا فينا مشهدًا من تلك المشاهد فيمكن أن يقيموا الدنيا كلها والقرارات العالمية كلها".
حديث الترابي مع"ديرشبيغل"ذكرني بمقابلة أجراها أحد الذين يهرفون بما لا يعرفون مع إحدى الفضائيات الأوربية، وكان موضوعها: مكانة المرأة وحقوقها في الإسلام، وأرهق المتحدث نفسه وهو يحشد ما يظنه أدلة يثبت من خلالها أن المرأة في الإسلام مثل الرجل سواء بسواء، ولعله كان يتوقع بأن المستمعين سيعجبون بطرحه، وفوجئ عندما أنهت المذيعة المقابلة وهي تقول: الحكم الشرعي في هذه المسألة معروف ومشهور، ولن تستطيع أنت ولا عشرات من أمثالك تغييره. وهكذا حال ومآل من أراد إرضاء الناس بسخط الله.
الأنكى من ذلك كله أننا أمام دولة ترفع شعار الإسلام: عقيدة [طبعًا الفن من العقيدة] ، وشريعة ونظام حياة .. ثم لا تقيم الحدود، وها قد مضى على قيامها عشر سنين دون أن تظهر منها أية بادرة تعرب فيها عن نيتها في إقامتها، مع أن الجبهة القومية أثناء الحكم الذي سبق انقلاب 1989، كانوا يتهمون بعض الأحزاب الحاكمة بالكفر لأنها كانت تراوغ في مسألة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ومنها إقامة الحدود.
وهاهو شيخ هذا النظام ومنظره يقول لمجلة"ديرشبيغل"الألمانية: إننا لا نقيم الحدود لأن تفسيرنا للشريعة متطور [وسيأتي الحديث عن هذا التطور] ، وليس في قوله هذا أي اعتذار، ولا أي وعد بأنهم سيستدركون هذا النقص.