الثاني: منافٍ له بالضد، وهو الذي عناه هنا، وضابطه: أن يكون معنى موجود يضاد المأمور به كقول: اقعد. هل هو نهيٌ عن الاضطجاع؟ صلِّ. هل هو نهيٌ عن الأكل والشرب والنوم ونحو ذلك أو لا؟ هذا محل النزاع.
وهل الدلالة هنا باللفظ أو بالمعنى؟
اتفقوا على أن صيغة افعل مغايرة عن صيغة لا تفعل من حيث اللفظ.
ومن حيث المعنى: من قال بأن الكلام النفسي: الأمر والنهي والعام والخاص أنها شيءٌ واحد، وتختلف باختلاف متعلقاتها فحينئذٍ عنده النهي والأمر شيءٌ واحد، وإنما يختلف باختلاف المتعلَّق. فهو جزءٌ واحدٌ، إن تعلق بالأمر بإيجاد الصلاة سُمي هذا المتعلِّق باعتبار المتعلَّق أمرًا؛ لأنه طلبَ إيجاد الصلاة، فإن طلبَ الكف عن الصلاة سُمي هو نفسه بالنهي.
إذًا: الشيء واحدٌ واختلف اسمه من نهي إلى أمرٍ، ومن أمرٍ إلى نهي باختلاف المتعلق. وهذا قول الأشاعرة، بناء على أن الكلام النفسي نوعٌ واحد ولا يتعدد، وبينهم خلاف: يتنوع أو لا يتوع.
لكن عند أهل السنة والجماعة: أن المعاني تختلف باختلاف الألفاظ، فلا شك أن الأمر لفظًا ومعنى مغايرٌ للنهي لفظًا ومعنى، وما أريد بالعام لفظًا ومعنى غير ما أريد بالخاص لفظًا ومعنى، وما أريد بالمطلق لفظًا ومعنى غير ما أريد بالمقيد لفظًا ومعنى.
فحينئذٍ إذا أمر الشارع بشيءٍ معين نقول: من جهة المعنى أنه -على القاعدة السابقة التي مرت معنا-: لا يتم الواجب إلا به فحكمه أنه واجب، وما لا يتم ترك المحرم إلا به فحينئذٍ تركه يعتبر واجبًا.
هذه القاعدة قلنا مأخوذة من جهة الدلالة العقلية، فحينئذٍ لا يمكن أن يمتثل الصلاة إلا إذا ترك الاضطجاع، ولا يمكن عقلًا أن يمتثل الصلاة إلا إذا انكفَّ عن الأكل والشرب والنوم والجماع .. ونحو ذلك.
فحينئذٍ هذه الدلالة مأخوذة من اللفظ أو من خارجٍ ذهني؟ نقول: الثاني.
ولذلك قال هنا: (وَالأَمْرُ بِمُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ) .
فإذا أمرك بالصلاة فقد نهاك عن الأكل، وإذا أمرك بالصلاة فقد نهاك عن الشرب ونحو ذلك؛ لأنه لا يتم تحقيق ما أمر به وهو إيجاد الصلاة إلا بترك جميع ما يضاد الصلاة، ولا يمكن أن يتحقق الامتثال إلا بذلك.
فحينئذٍ نقول: نعم نُسلَّم بأن الأمر بالشيءِ المعين نهيٌ عن جميع أضداده إن كان له أضداد، أو عن ضدٍ واحد إن كان له ضد واحد، لكن من جهة المعنى لا من جهة اللفظ.
يعني: بدلالة الالتزام لا بدلالة المطابقة والتضمن؛ لأنك لو قلت: بدلالة المطابقة. ساويت الأشاعرة في كون النهي داخلًا تحت معنى الأمر، وإذا قلت: بدلالة التضمن. حينئذٍ جعلت الأمر كأنه في حقيقته منقسمًا إلى نوعين، فجعلت النهي من حيث المعنى جزء الأمر وليس الأمر كذلك.
حينئذٍ نقول: لا عينه ولا يدل عليه مطابقةً، ولا يدل عليه تضمنًا، وإنما يدل عليه من جهة الاستلزام وهي دلالة عقلية، فهو منفك عن اللفظ وهو منفكٌ عن المعنى. خلافًا لما قرره الأشاعرة في هذا المقام.
نقول ابتداءً: ليس الخلاف في مفهوم الأمر -كما مر معنا-، وليس الخلاف في مفهوم الأمر والنهي، وهو أن أحدهما يُتصور بدون الآخر .. مفهوم الأمر تتصوره دون أن تتصور النهي.