فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 1890

هل عندنا فعلٌ .. صلاة ظهرٍ لا في الزمن المعيّن؟ ليس عندنا ذلك، فالقول بانفكاك الجهة هذا غير متصور، وإنما يقال بانفكاك الجهة فيما يوجد في زمنٍ وهو صحيح، ويوجد لا في زمن وهو صحيح، وليس عندنا ظهر قبل الوقت صحيحة أو ظهرٌ بعد الوقت صحيحة، لم يُشرع هذا، لا تسمى ظهرًا لا قبل الوقت ولا بعد الوقت، وإنما تسمى ظهرًا إذا أوقعها المكلَّف بصفتها -أربع ركعات- في زمنها المعين.

فالقول بانفكاك الجهة في مثل هذا .. هذا انفكاك في الذهن فحسب. يعني: شيءٌ في الذهن، فلا وجود له في الخارج.

إذًا: قولهم بأن الأمر اشتمل على أمرين: فعل العبادة واقترانها بالزمن، فإذا تعذر الثاني بقي الأول في ذمته.

وهذا رجحه حتى الشيخ الأمين في المذكرة، لكن نقول: هذا لا يصح البتة؛ لأنه تجويز عقلي فحسب.

لأنه لا يُتصور أنها ظهر إلا في الزمن، إن دل الدليل المعين على أنها تقع ظهرًا بعد خروج الوقت؟ على العين والرأس، وإلا رجعنا إلى الأصل.

ولذلك قيل: سبب الخلاف هنا يرجع إلى قاعدتين:

"الأمر بالمركب أمرٌ بأجزائه"وهي صحيحة، لكنها ليست مطلقة.

والثاني: الأمر بالفعل في وقتٍ معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت. وهو كذلك.

كلا القاعدتين صحيح، لكن الثانية هنا مقدمة في هذا المقام؛ لأنه من قبيل التعبدات.

{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ: وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ الصَّوْمَ إِجْمَاعًا، وَتَقْضِيهِ إِجْمَاعًا هِيَ وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالأَمْرِ السَّابِقِ} .

أما"الحيض يمنع الصوم إجماعًا"فلا إشكال فيه،"وتقضيه إجماعًا"للنص،"هي وكل معذور"هذا قياس يحتاج إلى دليل؛ لأنه تعميم.

إنما جاء النص في شأن الحائض فقط، وفي شأن المسافر، وفي شأن المريض .. ونحو ذلك. يعني: ما جاء النص بالاستثناء فهو رخصة له، وما عداه فيبقى على الأصل.

{هِيَ وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالأَمْرِ السَّابِقِ لاَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فِي الأَشْهَرِ} .

والصواب: أنه لا بد من أمرٍ جديد، وهذا اختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالأَمْرُ بِمُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مَعْنَىً) .

يعني: الأمرُ بالشيء المعين -وسيأتي احترازه- نهيٌ عن ضده من جهة المعنى.

اعلم أولًا: أن المأمور به له منافيان نحو وجود القعود في قولك: اقعد. الأول منافٍ له بذاته يعني: بنفسه.

إذا قال: اقعد. هذا له مُنافيان:

المنافي الأول مأخوذ من دلالة اللفظ وهو عدم القعود، اقعد .. عدم القعود متنافيان.

اقعد، الاضطجاع، القيام، الاستلقاء. هذا كذلك منافي، لكنه ليس مأخوذًا من ذات اللفظ.

فالأول منافٍ له بذاته أي: بنفسه وهو عدم القعود؛ لأنهما نقيضان، والمنافاة بين النقيضين بالذات.

فاللفظ الدال على القعود دالٌ على النهي عن عدمه، أو على العدم منه بلا خلاف. هذا لا خلاف فيه.

فقوله: اقعد يدل من جهة المعنى على النهي عن ترك القعود.

"صلِّ"دل على النهي عن ترك الصلاة، هذا لا خلاف فيه ولا إشكال فيه، لكن لا من ذات اللفظ وإنما من جهة المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت