هذا إذا عرّفنا التكليف بأنه إلزام ما فيه كلفة ومشقة، وإذا قلنا: طلب ما فيه كلفة، وحينئذٍ ليس فيه إلزام، فدخل فيه الأحكام الأربعة: الواجب، والحرام، والمندوب، والمكروه.
فعلى التعريف الثاني: المندوب تكليف، مكلف به، فهو من الأحكام الشرعية التكليفية، والمكروه كذلك تكليفي، وأما الإباحة فلا تدخل لا في الحد الأول ولا في الحد الثاني كما سيأتي بيانه.
إذًا قوله: (وَهُوَ تَكْلِيفٌ) أي: المندوب تكليف على الصحيح.
{قَالَهُ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ، وَالطُّوفِيُّ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُمْ} وإن كان الجمهور على أنه ليس تكليف، أكثر الأصوليين على أنه ليس بتكليف.
{إِذْ مَعْنَاهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ أَشَقَّ مِنْ الْوَاجِبِ} .
بمعنى أن ثم اعتراض، إذا قيل بأنه تكليف يرد السؤال هنا: هل فيه مشقة أم لا؟ نقول: نعم فيه مشقة، والمراد بالمشقة الموجودة في المندوب: جنس المشقة لا فردها.
إذًا: (وَهُوَ تَكْلِيفٌ) التعليل هنا قال: {إذْ مَعْنَاهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ} يعني: معنى التكليف على ما صححه المصنف هنا وبنا عليه أن المنِدوب تكليف مَعْنَاهُ -يعني: معنى التكليف-: طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وإذا كان كذلك فحينئذٍ شمل الأحكام الأربعة، فدخل فيه المندوب.
{وَقَدْ يَكُونُ} المندوب أَشَقَّ مِنْ الْوَاجِبِ.
وَلَيْسَتْ الْمَشَقَّةُ مُنْحَصِرَةً فِي الْمَمْنُوعِ عَنْ نَقِيضِهِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ.
يعني: الواجب لا شك أن فيه مشقة، وكذلك المندوب لا شك أن فيه مشقة.
فالمشقة المعتبرة في النوعين يعني: الواجب والمندوب هو الجنس، يعني: جنس المشقة، ثم قد توجد في بعض الأفراد وقد يتخلل بعض الأفراد، فليس كل واجب يكون فيه مشقة، بل قد يكون الواجب عينه فيه مشقة على زيد ولا يكون فيه مشقة على عمرو، وهو واجب واحد، فحينئذٍ اختلفا باختلاف الأشخاص، وكذلك الفرد نفسه -الواجب- قد يكون فيه مشقة وقد لا يكون، وكذلك المندوب.
{وَمَنَعَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ} .
يعني: منعوا إطلاق التكليف على المندوب، فالمندوب ليس مكلفًا به وليس من الأحكام الشرعية.
{قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ} .
فليس بتكليف ولا يكلف به، فإن التكليف يُشعر بتطويق المخاطب الكلفة من غير خيرة، والندب فيه تخيير، والواجب فيه إلزام.
والتكليف فيه كلفة، يُشعر بأن الشارع قد كلّف الشخص بشيء لا يخرج عنه البتة.
قال: والخلاف لفظي. الخلاف -بعد هذا- لفظي؛ لأنه مبني على تفسير التكليف ما هو؟
فإن أريد بالتكليف ما يترجح فعله على تركه فالمندوب تكليف.
قال هنا: وإن أريد به أنه مطلوب طلبًا يمنع النقيض فهو ليس بتكليف.
إن كان إلزامًا فهو تكليف، وإن لم يكن بالإلزام وإنما طلب ما فيه مشقة فحينئذٍ ليس بتكليف. إذًا: رجع إلى مسألة اصطلاحية وهي: ما المراد بالتكليف؟ والاصطلاح هذا لا مشاحة فيه البتة، لكن ما ينبني عليه من الأحكام الشرعية متفق عليها بين الطائفتين.