هذه كلها تصدق على شيء واحد وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، والتفرقة بين هذه الاصطلاحات هي تفرقة حادثة ولا أصل لها، وإنما هي من صنع الفقهاء والأصوليين، وأما ما ينبني عليها فلا ينبني عليها شيء البتة.
فهذه كلها يصدق عليها أنها ما أُثيب فاعله ولم يعاقب تاركه مطلقًا، أو إن شئت قل: ما أُمر به أمرًا غير جازم.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي مُقْنِعِهِ: وَيُسَمَّى النَّدْبُ تَطَوُّعًا وَطَاعَةً وَنَفْلًا وَقُرْبَةً إِجْمَاعًا.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَخْبَرْنَا الشَّيْخَ أَبُو تَمَّامٍ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَأَلَ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ بِبَغْدَادَ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: سُنَّةً وَفَضِيلَةً وَنَفْلًا وَرَغِيبَةً، فَقَالَ: هذه عاميةٌ في الفقه، يعني: دخيلة.
{وَلا يُقَالُ: إِلاَّ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ لا غَيْرُ} .
هذا الذي دل عليه النص، أما ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة يسمى مستحبًا، وما داوم عليه يسمى سنة، نقول هذا يحتاج إلى نقل وليس ثم نقل.
{قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَسَأَلْت أَبَا الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيِّ} هذا قول ابن العربي {بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ أَلْقَابٌ لا أَصْلَ لَهَا، وَلا نَعْرِفُهَا فِي الشَّرْعِ} وهو كذلك.
ثم قال: (وَأَعْلَاهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ فَضِيلَةٌ، ثُمَّ نَافِلَةٌ) .
يورد الكلام السابق أنه لا أصل لها، ثم يبين التفاوت بينها، وهذه لعله من أجل أنه يؤدب في المذهب، فحينئذٍ لا بد من الجري على ما جرى عليه الأصحاب.
{وَأَعْلاهُ أَيْ: أَعَلا الْمَنْدُوبِ سُنَّةٌ، ثُمَّ فَضِيلَةٌ، ثُمَّ نَافِلَةٌ} .
وحينئذٍ من الذي فرّق، هل هو الشارع؟ الجواب: لا، إذًا: مجرد اصطلاحٍ فحسب.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا فِي حَاوِيهِ الْكَبِيرِ: إِنَّ الْمَنْدُوبَ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: مَا يَعْظُمُ أَجْرُهُ، فَيُسَمَّى سُنَّةً.
وَالثَّانِي: مَا يَقِلُّ أَجْرُهُ، فَيُسَمَّى نَافِلَةً.
وَالثَّالِثُ: مَا يَتَوَسَّطُ فِي الأَجْرِ بَيْنَ هَذَيْنِ، فَيُسَمَّى فَضِيلَةً وَرَغِيبَةً.
ونقول: هذا باطل بل من أبطل الباطل؛ لأنه يحتاج إلى دليل، ثم التعلق هنا بكونه ما يعظم أجره وما يتوسط، إذًا: تعلق بالأجر وهو أمر غيبي فيحتاج إلى نص، وهذا التقسيم الذي ذكره تقسيم حادث ولو سمي بدعة لما بعُد.
(وَهُوَ تَكْلِيفٌ) {وَهُوَ أَيْ الْمَنْدُوبُ تَكْلِيفٌ} .
اختُلف في المندوب هل هو حكم تكليفي أم لا؟ هذا الخلاف بناء على ماذا لتعرف السر؟
التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة يعني: مشقة، وقيل: طلب ما فيه كفلة.
على حسب التعبيرين المتغايرين في التعريف انبنى عليه ماذا؟ كون المندوب مكلفًا به أم لا؟ وكذلك القول في الكراهة.
إن قلت بأن التكليف: هو إلزام ما فيه مشقة وكلفة، فحينئذٍ هذا اختص بحكمين فقط وهما الواجب والمحرم؛ لأنه هو الذي يكون فيه كلفة ومشقة، حينئذٍ المباح ليس مكلفًا به، المندوب ليس مكلفًا به، المكروه ليس مكلفًا به.