قال ثم رحمه الله تعالى: (وَشُرِطَ نَقْلٌ فِي نَوْعٍ لاَ آحَادِ) هذه مسألة، يعني ختم بها هذا الفصل وهي: هل يُكتفى بوجود العلاقة مطلقًا أم لا بد من اعتبار العرب لها، أي بأن يستعملها فيه؟ يعني العلاقات السابقة هي مستنبطة من كلام العرب، لكن هل يمكن أن يزاد عليها شيء لم يرد في لسان العرب؟ هذا محل خلاف. ما مضى كله سمع من كلام العرب، العلاقات الخمس والعشرون، لكن هل يجوز أن يزاد عليها شيء باستنباط العقل دون نظر في لغة العرب؟ يعني: بمجرد العقل دون رجوع إلى العرب لم يتكلموا بهذه العلاقة البتة، هل يجوز أو لا يجوز؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم .. مذهبان، ويعبر عنها بأن المجاز هل هو موضوع أم لا؟ ويريدون بالوضع هاهنا مطلق الاستعمال ولو مرة .. يريدون مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة، يعني: لا يشترط في جميع العلاقات السابقة: إطلاق السبب على المسبَّب أو عكسه أن يكثر في لسان العرب، لو وجد من يحتج بقوله استعمل مرة واحدة إطلاق السبب على المسبَّب عرفنا أن هذه علاقة بينهما فأنشأنا عنوانًا اسمه: إطلاق السبب على المسبَّب، ويدخل تحته ما لا حصر من الآحاد، وحينئذٍ أصل العلاقة لا بد أن يكون مسموعًا، وآحادها واستعمالها لا يشترط فيه السماع.
يريدون بالوضع هاهنا مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة، يسمع من العرب استعمال ذلك النوع من المجاز فيحصل الشرط.
قال: هنا: (وَشُرِطَ) الشرط هنا على معناه الاصطلاحي المعروف، لا بد منه.
{لِصِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ} (نَقْلٌ) {يعني: عَنْ الْعَرَبِ} (فِي نَوْعٍ) يعني: في كل نوع، {مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ} السابقة.
(لاَ آحَادِ) يعني: (لاَ) {فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ} (آحَادِ) {الْمَجَازِ} يعني: آحاد المجاز المقصود به الجملة الاسمية والفعلية التي تُجُوِّز فيها، هل يشترط؟ الجواب: لا يشترط.
{بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ صُورَةٍ ظُهُورُ نَوْعٍ مِنْ الْعَلاَقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ} وحينئذٍ يشترط أن يكون بين المفهوم الحقيقي والمجازي علاقة معتبرة، العلاقة المعتبرة من أين أخذناها؟ من استعمال العرب للمجاز ولو مرة واحدة، بأن أطلق السبب على المسبَّب، وإلا جاز استعمال كل لفظ في كل معنىً، وهو باطل ضرورة، وحينئذٍ قال الزركشي في التشنيف: فجنس العلاقة يشترط بالإجماع، وشخصها غير مشترط بالإجماع، إجماعان متقابلان، جنس العلاقة مشترط بالإجماع، وشخصها يعني عينها .. آحادها .. جزئياتها غير مشترط بالإجماع، فلا يقال: لا يطلق الأسد على الشجاع إلا بنقل عن العرب، لا يقال هذا، لماذا؟ لأن هذا نظرٌ في الآحاد، لكن هل استعمل اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة؟ نعم، لكن هذه المشابهة في الأسد .. في النمر .. إلى آخره، هذه لا نتعرض لها من حيث النقل وعدمه، وإنما هذا يكون باختلاف المتكلم، ومحل الخلاف إنما هو في النوع.