فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 1890

(أَوْ قُوَّةٍ) {يَعْنِي: أَوْ وَصْفٍ آيِلٍ بِالْقُوَّةِ دُونَ الْفِعْلِ, كَإِطْلاَقِ الْمُسْكِرِ عَلَى الْخَمْرِ, بِاعْتِبَارِ أَيْلُولَةِ الْخَمْرِ إِلَى الإِسْكَارِ} يعني: إما بالفعل أو بالقوة على التفسير السابق في اللفظين.

{وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لاَ يَتَجَوَّزُ بِوَصْفٍ آيِلٍ شَكًّا, كَالْعَبْدِ -مثلًا- فَإِنَّهُ لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ حُرٌّ مَعَ احْتِمَالِ عِتْقِهِ وَعَدَمِهِ} فالعبد الذي لم يتحرر لا يقال إنه: عتيق مثلًا، أو حر؛ لأنه يحتمل أنه يعتق، نقول: لا، لماذا؟ لأن هذا الوصف آيل إليه شكًا لا قطعًا ولا ظنًا.

قال رحمه الله تعالى: (وَزِيَادَةٍ) يعني: {النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الزيادة} هذا يسمى مجاز الزيادة، وعكسه مجاز الحذف.

ومنه قوله تعالى -على المثال المشهور-: { (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ) [الشورى:11] } الكاف هنا زائدة .. على الصحيح أن الكاف هنا زائدة، وَالْمَعْنَى لَيْسَ مِثْلَهُ. وَقِيلَ: الزَّائِدُ"مِثْلُ"أَيْ: لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ}يعني قولان، وهذان أقربان.

{وَإِنَّمَا حُكِمَ بِزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا لِئَلاَ يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِثْلٌ, وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ, لأنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مِثْلٍ وَهُوَ مُحَالٌ} .

(( لَيْسَ كَمِثْلِهِ ) ) [الشورى:11] الكاف هنا لو بقيت على أصلها وهو التشبيه فحينئذٍ المنفي ما هو؟ مثل المثل، وهذا يقتضي إثبات المثل، وحينئذٍ لا بد من الحكم بكون التركيب خرج عن حقيقته، فإما أن يقال بزيادة الكاف وأصلية المثل، أو بأصالة الكاف وزيادة المثل، وقيل غير ذلك، لكن هذان مشهوران، والأصح أن تكون الكاف هي الزائدة؛ لأن الزيادة في الحروف أكثر من الزيادة في الأسماء.

{لأَنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ المِثْلٍ وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ يَلْزَمُ نَفْيُ الذَّاتِ; لأَنَّ مِثْلَ مِثْلِ الشَّيْءِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ, وَثُبُوتُهُ} أي: ذات الرب جل وعلا، {وَاجِبٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ لاَ يُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ إِمَّا بِزِيَادَةِ الْكَافِ, أَوْ بِزِيَادَةِ مِثْلِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: كُلُّ حَرْفٍ زِيدَ فِي الْكَلاَمِ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ إعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى} لأنه يرد السؤال: إذا كانت الكاف زائدة ما الفائدة منها؟ نقول: لا، هذا فيه معنىً بلاغي وهو أن الأصل في التأكيد عند العرب هو التكرار، وحينئذٍ لا يمكن تكرار الجملة بعينها لأن فيه ثقلًا على اللسان، ومر معنا أن الثقل من موجبات العدول عن الحقيقة إلى المجاز، فبدلًا من أن يقال: ليس مثله شيء .. ليس مثله شيء، قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، فحذف الجملة الثانية وقام الكاف مقامها، فدلت على الجملة المحذوفة قصدًا للاختصار، وهذا معنىً جميل، فيكون معنى الآية: ليس مثله شيء مرتين للتأكيد، وقيل: ثلاث مرات، لكن هذا الذي ذكره ابن جني.

هذا ما يتعلق بمجاز الزيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت