يعني: خالف الإمام أحمد وانفرد في بعض المسائل، وخالف أبا حنيفة ومالكًا والشافعي، وهذا لا يدل على أن الانفراد ليس بحقٍ، وإنما الحق في صحة الدليل ومدلولِه.
وكذلك يقال فيما لو خرج عن المذاهب الأربعة: هل يجوز الخروج على المذاهب الأربعة أو لا؟ هذه مسألة وقع فيها نزاع قديم حديث، والصواب أنه يجوز، لكن بشرط أن يكون القول الذي لم يكن في المذاهب الأربعة، أنه قولٌ لإمامٍ معتبر كالأوزاعي أو سفيان أو نحوهم.
قال: (فَصْلٌ) .
ذَكر بعض المسائل المتعلقة بآداب المستفتي والمفتي.
قال: (يَنْبَغِي حِفْظُ الْأَدَبِ مَعَ مُفْتٍ وَإِجْلَالُهُ فَلَا يَفْعَلُ مَعَهُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَامِّ بِهِ، كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ) يعني: يشير بيده.
{وَلا يَقُولُ لَهُ مَا لا يَنْبَغِي} .
(وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ) ما هو دليلك؟ {عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ} .
(وَلا يُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَ جَوَابُك مُوَافِقًا فَاكْتُبْ، وَإِلاَّ فَلا) {تَكْتُبْ (وَنَحْوَهُ) كَقَوْلِهِ: مَا مَذْهَبُ إمَامِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ أَوْ مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُك بِكَذَا، أَوْ أَفْتَانِي فُلانٌ بِكَذَا، أَوْ قُلْت أَنَا كَذَا، أَوْ وَقَعَ لِي كَذَا} .
كل ذلك يُعتبر من سوء الأدب مع المفتي، وما أكثرها الآن من طلاب العلم إلا من رحم ربك.
(لَكِنْ إنْ عَلِمَ غَرَضَ السَّائِلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ غَيْرَهُ) .
هذا في الكتابة، كانوا قديمًا كما ذكرتُ لكم الفتاوى لا تكون على الهواء، والفتاوى التي على الهواء هذه فسادُها وضررها أكثر من نفعها؛ لأن السؤال يأتي هكذا مباشرة، ثُم يأتي الجواب كذلك مثله .. يكون في أدنى الذهن، ولو تحقَّق وتأمل ونظر في المسألة لكان الجواب يختلف.
(لَكِنْ إنْ عَلِمَ {الْمُفْتِي} غَرَضَ السَّائِلِ) {فِي شَيْءٍ} .
(لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ غَيْرَهُ) .
يعني: لا يكتب إلا ما يراه المفتي.
{وَلا يَسْأَلُهُ فِي حَالَةِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ} .
قلنا: هذا الشأن في الإفتاء والحاكم، المفتي كالقاضي في هذه المسائل، ويحرُم عليه أن يجيب.
{وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: لِلْعَامِّيِّ سُؤَالُ الْمُفْتِي عَنْ مَأْخَذِهِ اسْتِرْشَادًا} لكن بأدبٍ.
{وَيَلْزَمُ الْعَالِمَ حينئذٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ} يعني: يجوز للمستفتي أن يقول: ما دليلُك في كذا؟ لكن يأتي به بأدبٍ.
قال: {إنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، لا الظَّنِّيَّ؛ لافْتِقَارِهِ إلَى مَا يَقْصُرْ فَهْمُ الْعَامِّيِّ عَنْهُ} .
يعني: إن كان واضحًا، ودلالتُه نصًا، فحينئذٍ قد يستفيد منه العامي، لكن هل يلزم المفتي أن يذكر الدليل مع الفتوى؟ قيل: يلزم، وقيل: لا يلزم، وهو الصحيح أنه لا يلزم، إلا إذا كان المستفتي كطالب العلم يفهم الدليل ومأخذ الدليل، فحينئذٍ لا إشكال فيه.
وأما العامي فلا يلزم المفتي أن يذكر له الدليل .. لقوله تعالى كذا وفي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذا.