فهرس الكتاب

الصفحة 1824 من 1890

ما لا ينفعه كذلك الصواب أنه لا يلزمه، يعني: إن سَأل عن أشياء لم يتعلق بها علمٌ ولا عملٌ من جهة المستفتي فالأصح أنه لا يلزم المفتي الجواب، وهذا على جهة التقعيد والتأصيل.

قال هنا: سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا؟ وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ؟ فَقَالَ: سَلْ -رَحِمَك اللَّهُ- عَمَّا ابْتُلِيتَ بِهِ.

وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: خُذْ -وَيْحَكَ- فِيمَا تَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُحْدَثَةَ، وَخُذْ مَا فِيهِ حَدِيثٌ.

وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: لَيْتَ إنَّا نُحْسِنُ مَا جَاءَ فِيهِ الأَثَرُ.

يعني: نتقن السنة وما جاء فيها، دون أن نأتي بهذه الأغلوطات التي لا ينتفع بها السائل.

إذًا: الحاصل: أن ما لا ينتفع به السائل وما لا يتعلق به علمٌ ولا عمل لا يجب على المفتي أن يُفتي، بل لا يُستحسن منه أن يفتي.

{وَلأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ} وهو كذلك، وهذه سنة.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) )، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ. وَفِي لَفْظٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَفِي حَدِيثِ اللِّعَانِ فَكَرِهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كُرِهَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ كَوْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ؛ لأَنَّ الاجْتِهَادَ إنَّمَا يُبَاحُ ضَرُورَةً، ثُمَّ رُوىَ عَنْ مُعَاذٍ: أَيُّهَا النَّاسُ: لا تُعَجِّلُوا بِالْبَلاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا: مَعْنَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَك عَمَّا لا يَعْنِيهِ فَلا تُفْتِهِ.

وَسَأَلَ الْمَرْوَزِيُّ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْعَدْلِ. فَقَالَ: لا تَسْأَلْ عَنْ هَذَا، فَإِنَّك لا تُدْرِكُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ عِلْمٍ لا يَحْتَمِلُهُ السَّامِعُ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَفْتِنَهُ وهذا يتعلق بالعامة.

يعني: لا يُفصَّل مع العامة فيما يتعلق مثلًا بذات الباري جل وعلا، وإحداث بعض المسائل التي يتكلم بها أهل البدع: قالت الجهمية، قالت المعتزلة، قالت الأشاعرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت