(وَإِلاَّ) {أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَفْتَاهُ الْمُجْتَهِدُ فَلا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إلاَّ بِالْتِزَامِهِ ذَلِكَ} .
بالتزامه ذلك كمن التزم مذهبًا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: هَذَا الأَشْهَرُ.
وَقِيلَ: مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَعَلَى هَذَا لا بُدَّ مِنْ شَيْئَيْنِ: الْتِزَامُهُ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ حَقٌّ.
حينئذٍ لا يجوز العدول عنه البتة.
{وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ بِظَنِّهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَقَطْ} .
يعني: إذا ظن أنه حق ولو لم يلتزمه، فحينئذٍ يجب عليه ذلك.
ثم قال: (وَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدَانِ تَخَيَّرَ) .
(وَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ) {أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ} .
(مُجْتَهِدَانِ) {بِأَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِحُكْمٍ، وَالآخَرُ بِغَيْرِهِ} .
هذه فيها شيءٌ من المعارضة لما سبق أنه إن قلنا بأنه يأخذ بالأعلم لا الأورع، حينئذٍ كيف يتأتى هذا؟ إلا إن قلنا بعدم إلزامه.
(وَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدَانِ) {بِأَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِحُكْمٍ، وَالآخَرُ بِغَيْرِهِ} .
(تَخَيَّرَ) والأصل هل يقال بأنه يجوز أن يسأل اثنين؟ الصواب: لا، أنه إذا سأل واحدًا وأفتاه حينئذٍ لا يجوز له أن يسأل غيرَه، إلا إذا كانت عنده شيءٌ من النظر ونحوه في المسألة أو دليلها، حينئذٍ له أن يسأل، أما الأصل أنه لا يجوز له ذلك.
قال: (تَخَيَّرَ) {فِي الأَخْذِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمَجْدُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ رحمه الله تعالى: سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الطَّلاقِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ حَنِثَ، فَقَالَ السَّائِلُ: إنْ أَفْتَانِي إنْسَانٌ أَنْ لا أَحْنَثَ. قَالَ: تَعْرِفُ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ؟ قُلْتُ: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ} دلَّه على الرخصة.
وهذا قلتُ لكم أنه سائغ عند بعض أئمة الدين، وهذا واردٌ عن الإمام أحمد .. أنه في بعض المسائل التي قد يضيق بها الإنسان العامي، إذا علم المفتي بأن المفتي فلان يخالف في الرأي ويوسع عليه، حينئذٍ له أن يدله ويقول: اذهب إلى فلان، ولا يخبره بما سيفتيه وإنما يقول: تجد بغيتك عنده إن شاء الله.
ولذلك قال هنا: {تَعْرِفُ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ؟ قُلْتُ: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ} مع أنه أولًا منعه.
وَقِيلَ. يَأْخُذُ بِقَوْلِ الأَفْضَلِ عِلْمًا وَدِينًا. فَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُوَفَّقِ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالأَغْلَظِ وَالأَثْقَلِ مِنْ قَوْلَيْهِمَا.
وَقِيلَ: بِالأَخَفِّ.
وَقِيلَ: بِالأَرْجَحِ دَلِيلًا.
وَقِيلَ: يَسْأَلُ ثَالِثًا أقوال.
والصواب: أنه يقال: لا يجوز أن يَسأل اثنين، هذا ابتداءً، فإن سَأل فيأخذ بقول الأعلم .. يقدِّم الأعلم ولا شك.
قال: (فَصْلٌ: لِمُفْتٍ رَدُّهَا وَفِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ أَهْلٌ لَهَا شَرْعًا) .
(لِمُفْتٍ رَدُّهَا) يعني: لمفتٍ اللام هنا لدفع التحريم يعني: يجوز.
(لِمُفْتٍ رَدُّهَا) {أَيْ: رَدُّ الْفُتْيَا} يعني: يجوز له أن لا يفتي.