إذًا: (يُسْمَعُ وَلَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِهِ) يعني: لا ينقطع المستدل عن إقامة دليله بمجرد منع الأصل.
قال: {وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لاَ ينْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِهِ أَيْ: بِمُجَرَّدِ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ؛ لأَنَّهُ مَنْعُ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ} .
فله إثباته كسائر المقدمات.
قال: (فَيَدُلُّ عَلَيْهِ) {يَعْنِي: أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلٍ يَقِيسُ عَلَيْهِ كَمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا} .
لا شك أنه لو منعَ العِلَّة للمستدل أن يقيم الدليل على إثباتها، كذلك لو منع حكم الأصل فالحكم واحدٌ. لا فرق بينهما.
فكما يُسمح له بأن يقيم الدليل على إقامة العِلَّة أو أنها موجودة في الأصل، كذلك يسمح له بأن يقيم الدليل على صحة حكم الأصل، فإذا كان المنع موجَّهًا للدليل لحكم الأصل أو للعلة فحينئذٍ هما سيّان.
قال: (فَيَدُلُّ عَلَيْهِ) {يَعْنِي: أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلٍ يَقِيسُ عَلَيْهِ} .
قال: (كَمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا) .
{يَعْنِي كَمَا لَوْ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ لا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ} وكذلك إذا مُنع أصل الحكم فلا ينقطع بذلك.
وله أن يستدل على إثبات الحكم الأصل كما أن له أن يستدل على إثبات وجود العِلَّة.
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ للانتقال عن إثبات حكم الفرع الذي هو بصدده إلى غيره وهو حكم الأصل ويكون انتشارًا.
وقيل: لا ينقطع إن كان خفيًا لا يعرفه إلا الخواص، ولذلك قال: {إلاَّ إذَا كَانَ الْمَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ} فيكون منقطعًا لبنائه المختلف فيه على المختلف فيه.
على كلٍ: الجمهور على أنه يُسمع ولا ينقطع بمجرده، بل له أن يُثبت بالدليل على إثبات حكم الأصل كما أنه يُثبت العِلَّة في الأصل.
(فَإنْ دَلَّ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ فَلَهُ الِاعْتِرَاضُ) .
يعني: إن أثبت المستدل بالدليل صحة حكم الأصل، كذلك المعترض لا ينقطع، له أن يعترض بشيءٍ آخر.
فعلى الأول: سماع المنع وأنه لا ينقطع المستدل، بل إقامة الدليل على حكم الأصل، فإذا قام الدليل فهل ينقطع المعترض أم لا؟ قولان:
أصحهما أنه لا ينقطع بمجرد دلالة المستدل.
{فَعَلَى الأَوَّلِ إنْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ} الذي هو المقدمة التي منعها المعترض.
{لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَلَهُ -أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ- الاِعْتِرَاضُ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ بِطَرِيقِهِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ صِحَّتُهُ} .
يعني: قد يَمنع المعترض حكم الأصل، فحينئذٍ قلنا: للمستدل أن يُقيم الدليل على حكم الأصل، هل كل من أقام دليلًا على حكم الأصل قُبل منه؟ نقول: لا؛ إذ قد يكون الدليل صورته صورة الدليل لكنه لا يصح، فله أن يعترِض على الدليل.
قال: (وَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الْمَقْصُودِ) .