يعني: هل يلزم المستدِل نفي ما هو أولى منه؟ فيه قولان: رجَّح المصنف تبعًا للجمع أنه لا يلزمه.
{وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ} يعني: علَّق عليها وهي مظنونة.
الخلاف هنا ليس في قوله: لزمه إبداؤه أو لا يلزمه؛ لأنه قال: {أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ الْجَدَلِيُّونَ} حكى فيه إجماعًا.
فقوله:"وَذَهَبَ الْقَاضِي"مقابل لقوله: لا يلزم المستدل.
قال هنا: (فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ) .
(فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ) يعني: غير الذي عيَّنه المستدل بالدوران.
{أَيْ غَيْرَ مَا أَبْدَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَإِنْ كَانَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ قَاصِرًا} يعني: وصفًا لا يصلح أن يكون علة متعدية {تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ} وهو كذلك.
يعني: لو قال: ثبتَ بالدوران أن هذا الوصف عِلَّةٌ للحكم، جاء قال: لا. ثَم وصفٌ آخر، فنظرنا فإذا هذا المعترض جاء بوصفٍ قاصر لا يتعدى، وما أبداه المستدل وصفٌ متعدي، أيهما أولى بالترجيح؟ المتعدي، بناءً على أن العلة المتعدية أولى أو راجحةٌ على العلة القاصرة.
فإن أبدا المعترض وصفًا آخر غير ما أبداه المستدل.
{فَإِنْ كَانَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ قَاصِرًا} وما أبداه المستدل متعديًا تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ.
أَيْ بِكَوْنِ وَصْفِهِ مُتَعَدِّيًا. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ الْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْقَاصِرَةِ.
يعني: بأن دورانه موافقٌ لتعدية الحكم والوصفُ الحادث قاصرٌ فلا يتعدى.
قال: (فَإِنْ تَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ لَمْ يَضُرَّ) .
يعني: الوصف الذي أبداه متنازَع فيه قال: (فَإِنْ تَعَدَّى) أي: الوصف الذي أبداه المعترض بأنه متعدي.
إذا تعدى إلى الفرع ذاته المتنازع فيه لا يضر، وإن تعدى إلى محلٍ آخر ضر.
المعترض يبدي وصفًا، حينئذٍ يدَّعي أنه متعدي.
فإن أثبت بأنه متعدي في الفرع المتنازع فيه لا يضر يعني: لا يعتبر نقضًا للوصف الذي أبداه المستدل.
فإن عداه إلى فرعٍ آخر غير المتنازع فيه ضر، يعني: رجع إلى الوصف السابق فأفسده.
(فَإِنْ تَعَدَّى) أي: الوصف الذي أبداه المعترض متعديًا.
{إلَى الْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بُنِيَ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ} (لَمْ يَضُرَّ) يعني: لم يضر المستدل؛ لأن المستدل عيَّن وصفًا لم يرضَ به المعترض، فأبدا المعترض وصفًا آخر، حينئذٍ نقول: إن عدَّاه للفرع ذاته لا لغيره حينئذٍ نقول: هذا لا يضره؛ لأنه مبنيٌ على جواز تعليل المحل بعلتين وهذا لا إشكال فيه.
بناءً على أن كل عِلَّة مستقلة عن الأخرى.
قال: (فَإِنْ تَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ لَمْ يَضُرَّ) {إلاَّ عِنْدَ مَانِعِ عِلَّتَيْنِ} فيضر عندهم، هذا لا إشكال فيه.
(وَإِنْ تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ آخَرَ) .
{تَعَدَّى مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ إلَى فَرْعٍ آخَرَ} لأن المتعدي إلى فروعٍ أولى من المتعدي إلى فرعٍ واحد، أي غير المتنازع فيه، تعادلا.
حينئذٍ كلٌ منهما اختلفا، وكلٌ منهما ادعى وصفًا، وكلٌ من الوصفين متعدي.