فهرس الكتاب

الصفحة 1565 من 1890

وسمي ملائمًا لأن الاعتبار هنا الجنس في الجنس؛ لأنه مر معنا أن الاعتبار بالجنس في الجنس هذا قسمٌ من الملائم، فلذلك جمع بينهما في وصفٍ خاص: مرسلٌ لإرساله أي: إهماله عن دليل الاعتبار، لم يأت دليل خاص وإنما جاءت أدلة عامة تشهد لهذا الأصل.

قال: (مُلَائِمٌ) .

{مِثَالُ ذَلِكَ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا} وهذا مثال ركيك لكنه أراد الشاهد فقط.

{تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا} بِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا هذه عِلَّة .. هذا وصفٌ لكنه بعيد يعني جنس بعيد؛ لأن الكثير لا حد له، يصدق على الشربة والشربتين والثلاث والأربع والمائة والمائتين والألف .. إذًا: كثير هذا جنسٌ بعيد.

قال: {فَجِنْسُهُ الْبَعِيدُ} وهو الكثرة {مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ} وهو التحريم.

حينئذٍ جنسه البعيد وهو الكثرة {مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، كَتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا} .

الخلوة أعم وهي وصفٌ بعيد، وحينئذٍ يدخل فيه الزنا وغيره.

فنستدل على تحريم الخلوة بتحريم الزنا، وإن كان خاصًا.

إذًا: (وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَمُرْسَلٌ مُلَائِمٌ) .

قال: (وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ) {وَلَيْسَ الْمُرْسَلُ الْمُلائِمُ بِحُجَّةٍ} .

لكن قوله: (وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ) هذا (وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ) فيه تقابل؛ لأنه لما عرَّف هذه المذكورات بغير ما اشتهر عند الجمهور حينئذٍ وقع فيه شيءٌ من الإشكال، وإلا إذا اعتبره الشارع ولو بالجنس فحينئذٍ الأصل فيه أنه شهد له، إذا قيل: اعتبر الشارع كذا معناه شهد له يعني: أقرَّه. يعني: جاء نصٌ ولو من جهة العموم والإطلاق، لكن ليس هذا المشهور عند أهل العلم في تعريف المرسل وإنما لم يعتبره الشارع .. لم يرد دليلٌ يدل على اعتباره ولا على إلغائه.

وحينئذٍ يقال بأنه ليس بحجة، هذا مناسب أنه ليس بحجة؛ لأن الأصل هو براءة الذمة، والأصل العدم، والأصل عدم التشريع. فحينئذٍ إذا لم يأت شيء فنقول: الأصل براءة الذمة.

إن دلّت نصوصٌ عامة فحينئذٍ هذا لا إشكال فيه، يكون هذا الفرد داخلًا تحت نصٍ عام، أو داخلًا تحت إطلاق، أو داخلًا تحت مفهوم، أو قياس مع الفارق، أو دلالة لفظ .. أو نحو ذلك. وهذا لا إشكال فيه.

ولذلك لما أثبت مالك رحمه الله تعالى المصالح المرسلة واستدل بجمع المصحف ونقطِه وخلافة أبي بكر .. كل هذه داخلة في عمومات النصوص. يعني: يشهد لها إما عموم، وإما مفهوم، وإما معقول .. إلى آخره.

فلا ندَّعي بأن مثلًا خلافة أبي بكر أنها ليست بنص، هي بنص لا إشكال فيه، لكن لو قيل بأنها ليست بنصٍ لا نقول بأنه لم يشهد لها أصلٌ في الشرع، وإنما دل عليها دليل، ولذلك ما أطلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شخصًا معه إلا أبا بكر رضي الله تعالى عنه: دخلتُ وخرجتُ .. إلى آخره، وجاء الثناء عليه في القرآن ونحوه .. فهو أولى. ففي النصوص إشارة إلى اعتبار خلافته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت