فهرس الكتاب

الصفحة 1550 من 1890

وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّا لا نَعْلَمُ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغُ مِمَّا شُرِعَ، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ يعني: ما جاء القتل في السرقة، هو يقول: المصلحة تقتضي ذلك .. ما تقتضي، وإلا لو سرق حينئذٍ كيف يُقتل؟ الأصل فيه أن اليد التي امتدت وسرَقت هي التي تُقطع، أما قلبه ورأسه ما علاقته بذلك؟

قال: المصلحة تقتضي قتل السارق وجاء الشرع بخلافه، نقول: لا. المصلحة تقتضي أن تُقطع يده هذا الأصل، ما جاء به الشرع لا يقدم عليه غيره البتة.

إما فهمنا ولا أدركنا الفهم ... عقولنا لا نتهم الشرع، الشرع جاء على وفق المصلحة العظمى والكبرى بتمامها في قطع يد السارق، وأما قتله فهذا عدوان وظلمٌ؛ إذ لو كان كذلك لجاء به الشرع، ولما لم يأت به الشرع علمنا أنه ليس بوارد.

قال هنا: {كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ} يعني: قتلَ زيدٌ عمروًا، بدلًا من أن نقتله نمثِّل به .. نقطع أصبعه ثم يده ثم رجله إلى آخره، مُثلَة .. هذا اعتداء ظلم.

{فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ} والحمد لله.

{فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِفِعْلٍ، فَلا تَكُونُ حُجَّةً، فَإِذًا إثْبَاتُهَا حُجَّةٌ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ} .

نقول: ما يقال بأنه مصلحة مرسلة أصلًا لا يرِد عليه ما جاء به الشرع، وإنما يرد في شيء لم يرِد به الشرع كجمع المصحف وجمع الناس التراويح بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ونحو ذلك مما تمسك به أهل العلم. هذه التي يُنظر فيها.

{وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَهَا} كمالك رحمه الله تعالى بِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، لا حَصْرَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَرَائِنِ الأَحْوَالِ وَالأَمَارَاتِ.

وَسَمَّوْهَا مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ أصل وفيه حكمٌ وفيه عِلَّة. إذًا هو معيَّن، أما المصلحة فلا ليست معيَّنة وإنما هي شيءٌ عامٌ يتعلق به الناظر.

{بِخِلافِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لا تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ، وَبِأَنَّ الرُّسُلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ بُعِثُوا لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِالاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ فَنَعْتَبِرُهَا؛ لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت