قال هنا: (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ) يعني: المراد هنا هل يُشترط ظهور المناسبة أم متى ما رتب الشارع الحكمَ على الوصف اعتبرناه عِلَّة ظهرت لنا المناسبة أو لا؟
الثاني؛ لأنا قلنا أن الحكم الشرعي يُرتَّب على سبب قد تدرَك المناسبة وقد لا تدرك، أشهر مثال يذكره الأصوليون لا يدرك العقل الترابط بين الأمرين .. بين الحكم: بطلان الوضوء"فليتوضأ"أمر للإيجاب، ومسَّ الذكر صار عِلَّةً.
هل هو عِلَّة؟ قطعًا هو عِلَّة؛ لأنه رتَّبه بالفاء فحينئذٍ نقول: هو ظاهرٌ في العلِّيِّة.
هل هو مناسبٌ أو غير مناسب؟
السؤال الثالث: هل مناسبته ظاهرة أم لا؟ هذا يعِين السؤال الثاني.
هو لا شك أن ثَم مناسبة، قلنا: أحكام الباري جل وعلا لا تخرج عن التعليل الصحيح المناسب، لكن قد نُدرك وقد لا ندرك، لذلك نقول مثلًا التعبدات: أربع ركعات وركعتين، جهرية سرية .. لا شك أن لها مناسبة ولها حكمة، لكن لا نعلمها.
بحثُنا فيما ندركه، وما لا ندركه لا ننفي عنه المناسبة، لكن هل يُشترط ظهور المناسبة أو لا؟ لا يشترط.
ولذلك قال: (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ) {عِنْدَ الأَكْثَرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُعَرِّفُ} .
هذا بناءً على كلامه، وعلى كلامنا نقول: لا يُشترط ظهور المناسبة .. هو فيه مناسبة لكن لا يُشترط، تظهَر أو لا تظهر ..
فيُعتبر الوصف الذي رُتِّب عليه الحكم وصفًا، سواءٌ أدركتَ المناسبة أو لا، والمراد: هل يُشترط المناسبة وإلا فلا بد منها في نفس الأمر قطعًا؛ لامتناع خلو الأحكام من الحكمة؟
هكذا نُعلِّل خلافًا لما ذكره المصنف.
قال: (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ) والمراد: هل يُشترط ظهور المناسبة؟ لا المناسبة وإنما ظهور المناسبة، وإلا فلا بد منها في نفس الأمر قطعًا .. لا بد من المناسبة في نفس الأمر قطعًا؛ لامتناع خلو الأحكام من الحكمة (( وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) ) [الزخرف:84] الحكيم اتصف بصفة الحكمة فهي مطردة.
إذًا: (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ) {عِنْدَ الأَكْثَرِ} .
{وَقِيلَ: بَلَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ} .
قال: (لَا يُشْتَرَطُ) {بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُعَرِّفُ. وَقِيلَ: بَلَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ} . واضح الفرق؟
إذًا: التعليل هنا عقدي.
{وَاسْتُدِلَّ لِعَدَمِ الاشْتِرَاطِ: أَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ لَمْ يُفْهَمِ التَّعْلِيلُ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ مُنَاسِبٍ، كأَهِنْ الْعَالِمَ، وَأَكْرِمْ الْجَاهِلَ، وَلَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ} لا. هذا أولًا: المخالف لما أُدرك من لسان العرب، أنه لا يُرتَّب الحكم على غير المستحق، فـ"أهن العالم"هذا من جهة كلام العرب ممجوج، ولا يُعدَّ من الكلام الفصيح.
ولذلك ابن مالك رحمه الله تعالى قال: باب ما يتألف منه الكلام. ولم يقل: ما يتركب منه الكلام.