{وَلأَنَّهُ قَدْ أُلِفَ مِنْ الشَّارِعِ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَاتِ دُونَ إلْغَائِهَا. فَإِذَا قَرَنَ بِالْحُكْمِ فِي لَفْظِهِ وَصْفًا مُنَاسِبًا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اعْتِبَارُهُ} .
قال رحمه الله تعالى: (فَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ) .
على ما مر، قلنا: اقتران الوصف بالحكم معًا في تركيب واحد، الأصل هو أن يصرِّح بكلٍ منهما يعني: أن يُلفظ بالوصف ويُلفظ بالحكم.
بقي احتمالان وهما: استنباط الوصف مع التصريح بالحكم، والعكس.
هنا أراد أن يبيِّن هذه المسألة، وليتَه قدمها هناك عند تعريف الإيماء، ولذلك ذكرها الزركشي هناك والجمع والشُرَّاح عند تعريف دلالة الإيماء.
(فَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ) يعني: ذكر الوصف صريحًا.
(وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ) كقوله: (( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) ).
(وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ صِحَّتَهُ) {أَيْ الْبَيْعِ وَهِيَ} أي الصحة (مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حِلِّهِ) الوصف المصرَّح به.
إذًا: عندنا تصريحٌ بالوصف، وعندنا حكمٌ مستنبطٌ (( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) )أي: صحته .. صحة البيع، وهذه الصحة (مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حِلِّهِ) {لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حِلِّهِ صِحَّتُهُ} هذا الأصل فيه.
(فَ {هُوَ} مُومئٌ إلَيْهِ) يعني: مشير إليه {لأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالْوَصْفِ إيمَاءٌ إلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ بِهِ} .
(وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) {وَهُوَ كَوْنُ الْحُكْمِ} مصرَّحًا به {مَذْكُورًا} في الكلام.
{وَالْوَصْفِ مُسْتَنْبَطًا، وَهَذَا جَارٍ فِي أَكْثَرِ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ} أن يكون الحكم مصرَّحًا به والعلة مستنبطة، أكثر العلل على هذا.
(كَحُرِّمَتْ الْخَمْرُ) أو كما سبق، لا تبيعوا هذا نهي، صرَّح بالحكم، الطُّعم والكيل ما صرَّح بها، حينئذٍ صارت العلة مستنبطة.
"حُرمت الخمر"نص على التحريم في هذا اللفظ ولم يبيّن العلة، حينئذٍ صارت مستنبطة
{فالْوَصْفُ هُنَا وَهُوَ الإِسْكَارُ} (مُسْتَنْبَطٌ مِنْ التَّحْرِيمِ) وجاء"كل مسكرٍ"، لكن كالمثال هنا.
{وَهُوَ الْحُكْمُ، وَكَعِلَّةِ الرِّبَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِهِ} .
قال هناك: ولا خلاف في إفادة العلِّيِّة إذا ذُكر الوصف والحكم معًا، وهذا إيماء إلى تعليل الحكم المصرّح به.
وما ذكره المصنف هنا وأطلقه يدل على أنه رجَّح في هذين الأمرين اعتبار العلِّيِّة، وهو فيما إذا ذُكر أحدهما صراحة واستُنبط الآخر، هذا محل نزاع: هل هم من دلالة الإيماء أو لا؟
لا نزاع أنه يؤخذ منه العلة، لكن الكلام في: هل هو من دلالة الإيماء أو لا؟
إذا قيل: ليس من دلالة الإيماء أنه لا يدل على العلِّيِّة، لا، وإنما ثَم مسلكٌ آخر. هذا محل نزاع.
لكن المصنف هنا بتقرير هذا يدل على أن الأنواع الثلاثة كلها من دلالة الإيماء.
إذًا قوله: (فَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ) هذا دلالة إيماء(فَ {هُوَ} مُومئٌ إلَيْهِ،
وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ كَحُرِّمَتْ الْخَمْرُ الْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ التَّحْرِيمِ) وهو واضح.