وَيَجُوزُ النَّسْخُ فِي السَّمَاءِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَاكَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَقَدَ هُوَ وُجُوبَهُ وَعِلْمَهُ.
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ السَّمْعَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، فَلَمْ يَقَع النَّسْخُ لَهُ إلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ فسماه نسخًا.
يعني: فُرِضتْ الصلاة أول ما فُرِضتْ خمسين، نُسِخت قبل أن ينزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السماء، رُفِع الحكم. هل يسمى نسخًا أو لا؟
يسمى نسخًا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخاطبٌ بذلك -على ما مر معنا- وعلم الحكم واعتقده، ثم رُفع، هذا رفعٌ قبل التمكُّن من العمل، فلا إشكال في تسميته نسخًا، لكن ليس له مثال إلا هذا والله أعلم (وَيَجُوزُ فِي السَّمَاءِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَاكَ) .
قال: (وَقَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ) .
يعني: {يَجُوزُ النَّسْخُ أَيْضًا قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ أَيْ: قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْفِعْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا} .
يعني: يأمر بصلاة مثلًا، قبل دخول وقتها تُنسَخ، يمكن؟ نقول: نعم هذا ممكن وجائز.
{وَيَجُوزُ النَّسْخُ أَيْضًا قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ أَيْ: قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْفِعْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ، قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ} .
لكن المراد بالوقت هنا -ليعُم مسألتين-: ما يمكن فيه الفعل حسًا وشرعًا -لأن المصنف هنا جمع بين مسألتين-، ما يمكن فيه الفعل حسًا وشرعًا لا الوقت المقدَّر؛ حتى تكون المسألة خاصة بالوقت فقط يعني: دخول وقت الصلاة وخروجها لا، وإنما المراد به متى ما أمكن الفعل؛ ليدخل تكليف إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه.
وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ بُرْهَانٍ.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ بِمَا تَوَاتَرَ فِي ذَلِكَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي نَسْخِ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ بِخَمْسٍ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفِعْلِ.
إذًا: هذا المثال يصلح لجهتين:
الجهة الأولى: أنه يُنسَخ في السماء حيث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحد من المكلفين.
ثانيًا: نُسِخ قبل التمكن من الفعل. يعني: هل هناك من صَلَّى خمسين صلاة؟ الجواب: لا. لكن ارتفع الحكم قبل العمل.
{وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي بَعْثٍ، وَقَالَ: } هذا أمر.