قال الذي هو التبيين: {الَّذِي هُوَ التَّبْيِينُ (إظْهَارُ الْمَعْنَى) أَيْ مَعْنَى الْمُبَيَّنِ (لِلْمُخَاطَبِ) وَإِيضَاحُهُ لَهُ، وَمَعْنَاهُ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَالْوَاضِحِ لابْنِ عَقِيلٍ} .
أنهم عرفوا البيان بمعنى التبيين بأنه (إظْهَارُ الْمَعْنَى لِلْمُخَاطَبِ) .
أيّ معنى؟ معنى المُجمل .. الذي استوى فيه طرفاه؛ لأنا قلنا هذا الباب يرتبط بالباب السابق، وليس أي معنى، وإنما هو (إظْهَارُ الْمَعْنَى لِلْمُخَاطَبِ) . إذا ارتبط هذا الباب بما سبق فلا شك أنه يتعلق به.
وعلى القول الآخر وهو قول الجمهور: أن البيان قد يقع ابتداء، حينئذٍ لا إشكال فيه.
فباعتبار هذا الباب وما سبق حينئذٍ إظهار المعنى للمخاطب الذي وقع التردد فيه واستواءُه مع بقية الأطراف، وإلا على أصله.
قال: {وَقِيلَ: إخْرَاجُ الْمَعْنَى مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي} وهذا الذي اختاره إمام الحرمين في الورقات وغيرها.
{قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذَا الْحَدُّ غَيْرُ تَامٍّ} يعني: فيه فساد {لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ إلاَّ مَا كَانَ مُشْكِلًا .. إِخْرَاجُ الْمَعْنَى مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ} بعضهم يرى أن البيان خاصٌ بالمُجمل فقط يعني: المشكل.
وهذا هو الأصل في تبويب هذا الباب: أنه يتعلق بالمُجمل، وأما ما حصل ابتداءً فلا إشكال فيه، فالتعيين حينئذٍ بكون الإخراج هنا إخْرَاجُ الْمَعْنَى مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ الذي وقع فيه الإجمال، هذا ذِكرُ بعض الأفراد الذي تعلق به الحكم.
على كلٍ انتقدوا هذا، تخصيص البيان بالمُجمل فقط قالوا: هذا منتقد.
قال: {لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ إلاَّ مَا كَانَ مُشْكِلًا ثُمَّ أَظْهَرُوا مَا تَبْيِينُهُ ابْتِدَاءً مِنْ الْقَوْلِ، كَقَوْله تَعَالَى: (( هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ) )فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا} .
فحينئذٍ كيف يُحد البيان بأنه ليس بمشكلٍ؟ لكن أكثر الأصوليين على أن بحث المبيّن باعتبار المُجمل، فإذا حده بهذا الحد قد يقال: ثم قرينة، ولا إشكال فيه، لكن من حيث التقرير الأصل أن البيان قد يقع ابتداءً.
{قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: رُبَّمَا وَرَدَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَيَانٌ لِمَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ} ابتداء .. وهو كذلك.
{وَأَيْضًا فَفِي التَّعْبِيرِ بِالْحَيِّزِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الأَجْسَامِ، تَجَوُّزٌ فِي إطْلاقِهِ فِي الْمَعَانِي، وَنَحْوُهُ التَّجَلِّي} .
قال: (وَإلَى ثَانٍ) يعني: البيان بالمعنى الثاني {وَهُوَ مَا حَصَلَ بِهِ التَّبْيِينُ} يعني: (الدَّلِيلُ) .
قال: {قَالَهُ التَّمِيمِيُّ وَأَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ؛ لِصِحَّةِ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ لُغَةً وَعُرْفًا، مَعَ عَدَمِ مَا سَبَقَ. وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ} .
يعني: يُطلق البيان ويراد به الدليل.
(وَإلَى ثَالِثٍ) يعني: {وَالْبَيَانُ بِنَظَرٍ إلَى إطْلاقِهِ عَلَى ثَالِثٍ وَهُوَ} المدلول {مُتَعَلَّقُ التَّبْيِينِ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ دَلِيلٍ} .
لكن سبق المعنى الثاني: (وَإلَى ثَانٍ الدَّلِيلُ) هذا واضح.