قال: (وَبِقَضَايَا الْأَعْيَانِ) الأعيان المقصود بها الأشخاص بأعيانهم، قد تأتي قضية تتعلق بزيدٍ من الناس، يتعلق بها حكمٌ خاص من جهة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد تخالف هذه القضية نصًا عامًا، هل يكون ذلك الحكم المرتَّب على قضية العين مخصِّصًا أو لا؟ المصنف هنا قال: (وَبِقَضَايَا الْأَعْيَانِ) .
{يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يُخَصُّ بِقَضَايَا الأَعْيَانِ، مِثَالُ ذَلِكَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ} مطلقًا دون تفصيل.
{ثُمَّ أَذِنَ فِي لُبْسِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ، لِقَمْلٍ كَانَ بِهِمَا، وَإذْنُهُ لَهُمَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ} لأنها متعلقة بزيد من الناس، تسمى قضية عين.
{فَيَكُونُ الإِذْنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ} .
ليس مطلقًا وإنما للنوع الذي تعلق بعبد الرحمن بن عوف وغيره.
يعني: من كان له حاجة أو ضرورة من باب أولى فيُستثنى ويكون مخصِّصًا. يعني: ليس مطلقًا أن يكون رافعًا عن كل أحد، فلا يُنظر لكونه رجلًا على أن الرجولة هي العلة فيكون صارفًا للحكم لا، هذا يُعتبر نسخًا .. رافعًا للحكم كله، وإنما المراد من كانت به هذه النازلة وهي حِكَّة ونحوها.
إذًا: (بِقَضَايَا الْأَعْيَانِ) يصح التخصيص بها. وهو كذلك.
قال: (وَبِالْقِيَاسِ) .
قياس نصٍ خاص وحينئذٍ يُجعل مخصِّصًا للعام.
(وَبِالْقِيَاسِ) يعني: {يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ} سواء كان -النص العام- في الكتاب أو في السنة، يُخصُّ بماذا؟ بالقياس.
أطلق المصنف القياس، وحينئذٍ يشمل القياس القطعي ويشمل القياس الظني.
{ثُمَّ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ قَطْعًا} قطعي يُخص به القطعي، وانتبه! القطعي مختلف فيه: هل دلالته لفظية أو لا؟ يعني: الخلاف في تسميته قياس هذا خلافٌ قوي جدًا، وبعضهم يرى أنه من دلالة اللفظي، فلا إشكال فيه.
يعني: القياس القطعي قد لا يدخل معنا في المسألة هنا؛ لأنه هو السابق الذي مر معنا: مفهوم الموافقة .. الفحوى، بعضهم سماه قياسًا، وبعضهم سماه دلالة لفظ وهو أنسب -دلالة اللفظ-، فحينئذٍ القياس القطعي لا إشكال فيه.
قال: {ثُمَّ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ قَطْعًا قَالَهُ الأَبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا} هذا محل الإشكال هنا {إِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالأَكْثَرُ: جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِهِ} أنه يكون مخصِّصًا.
{وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالطُّوفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُخَصّصُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ دُونَ غَيْرِهِ, وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ} .
أن القياس يعتبر مخصِّصًا وعليه الأئمة الأربعة.
{وَقَالَ ابْنُ أَبَانَ: يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ إنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصّصًا} . يعني: غير محفوظ.