وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الإِثْبَاتِ نَفْيًا، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ, وَقَالُوا: فِي قَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الدِّرْهَمَ الْمُخْرَجَ مَنْفِيٌّ بِالأَصَالَةِ يعني: البراءة الأصلية، وهم مشوا على مذهب الكسائي -هم كوفيون-، الكسائي عنده: قام القوم إلا زيدًا، عند جماهير البصريين: أن زيدًا له ارتباطٌ بما سبق .. بالحكم المنصب على المستثنى منه، إثباتًا في النفي ونفيًا في الإثبات.
عند الكسائي: أن ما بعده إلا مسكوتٌ عنه، وإذا كان مسكوتًا عنه رجعنا إلى البراءة الأصلية، وهم تبعوا الكسائي في ذلك.
قال هنا: {وَقَالُوا: فِي قَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الدِّرْهَمَ الْمُخْرَجَ مَنْفِيٌّ بِالأَصَالَةِ} يعني: البراءة الأصلية {لا مِنْ حَيْثُ إنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنْ الإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَلا يُوجِبُونَ فِي: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلاَّ دِرْهَمًا شَيْئًا} يعني: ليس له عليّ شيء، هذه هي الجملة، إلا درهمًا. ما بعد إلا مسكوتٌ عنه إذًا: لا يثبت عليه شيء.
قال: {إذْ الْمُرَادُ إلاَّ دِرْهَمًا فَإِنِّي لا أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلا إقْرَارَ إلاَّ مَعَ حُكْمٍ ثَابِتٍ} .
إلا درهمًا، الدرهم هذا مسكوتٌ عنه، فلم يُقر به، وحينئذٍ ليس عليّ شيءٌ إلا درهمًا. الدرهم هذا مسكوت عنه. إذًا الجملة السابقة نفيٌ محضٌ .. ليس عليّ شيءٌ البتة.
{وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بِاللُّغَةِ وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ تَوْحِيدٌ} وهذا لا شك فيه، وإثبات الإله الحق. فلو لم يكن المستثنى من النفي مثبتًا لم تكن هذه الكلمة توحيدًا.
يعني:"إلا الله"أُثبِت لها نقيض ما ثبت للإله المنفي السابق.
لا إله. الإله المنفي هنا هو الإله الباطل بجميع أنواعه، ولا يدخل فيه الإله الحق البتة، حينئذٍ لما قال: إلا الله. أثبت له نقيض ما نفاه أولًا وهو الإلهية الحقة.
{وَتَبَادَرَ فَهْمُ كُلِّ مَنْ سَمِعَ قَوْلَ الْقَائِلِ: لا عَالِمَ إلاَّ زَيْدٌ, وَلَيْسَ لَك عَلَيَّ إلاَّ دِرْهَمٌ إلَى عِلْمِهِ وَإِقْرَارِهِ} .
إذًا: بلسان العرب مُدرَك أن ما يُثبت لما بعد إلا إنما هو نقيض ما ثبت لما قبل إلا.
قال: {وَقَدْ احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمَهْرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ صِحَّتَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ} .
على كلٍ هذا الكلام متصلٌ بما ذكره الأحناف، أهم ما يُستدل به على ذلك هو إثبات كلمة التوحيد؛ لأنه أجمع أهل العلم على أن كلمة التوحيد تدل بذاتها دون ضميمة شيءٍ آخر عن الكلمة إثباتٌ ونفي .. هي متضمنة للركنين: النفي والإثبات.
من أين أخذنا هذين الركنين؟ من الكلمة نفسها، فلو لم نأخذ بأن ثم نفيٌ وثم إثباتٌ من الكلمة، حينئذٍ لما صلحت هذه الكلمة أن تكون دالة على التوحيد.