لو قيل بأن القرآن إنما خاطب الصحابة فقط. لصح لمِن بعدهم أن يقول: لسنا مكلفين، النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُبعث إلينا .. نحتاج إلى قياس. أين هو القياس؟ لو أنكر القياس ..
قال: {بِأَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ فِي الإِرْسَالِ، بَلْ مُطْلَقُ الْخِطَابِ كَافٍ} .
قال رحمه الله تعالى: (وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ مُطْلَقًا) .
المتكلم يعني: المخاطِب، دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطابِه مُطْلَقًا. يعني: سواء كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا أو إنشاءً .. أيًا كان، ما دام أنه عبَّر بالمتكلم يعني: الذي اتصف بصفة الكلام، والكلام قد يكون خبرًا وقد يكون إنشاءً، في جميع الأحوال هو داخلٌ في ذلك الكلام.
قال: (وَالْمُتَكَلِّمُ) الذي يُعبَّر عنه في كتب الأصول بالمخاطِب.
هل يدخل في خطابه أو لا؟ ثَم خلاف.
قال: (وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ) يعني: {كَلامِ نَفْسِهِ} (مُطْلَقًا) {أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْكَلامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً، أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا} . متى؟ (إِنْ صَلَحَ) "صَلَحَ .. صَلُحَ"يجوز الوجهان {عِنْدَ دُخُولِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ} ؛ لعموم الصيغة.
يعني: النظر هنا في الصيغة، فما دام أنه تشمله الصيغة فالمخاطِب داخل، إذا لم تشمله الصيغة ولم يصلح الكلام أن يكون داخلًا حينئذٍ خرج .. فلا إشكال فيه.
{نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ (( شَيْءٍ ) )عَلَيْهِ تَعَالَى} .
وهو يقول: (( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ ) ) [الأنعام:19] صح أو لا؟ صح.
فيصح أن يقال: بأن الله شيء .. يطلق عليه أنه شيء.
(( وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )عالمٌ: عليمٌ بنفسه؟ بذاته وبصفاته، دخل أو لا؟ دخل.
ولذلك يمكن الاستدلال بهذا (( وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )وهو عليمٌ بذاته وصفاته، حينئذٍ لا يحق للمخلوق أن يصف الباري بما لم يصف به نفسه؛ لأنه قال: (( وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )وأنت قررت في كتب الأصول أن المخاطِب أو المتكلم .. -لعل المصنف هنا عدل عن المخاطِب بناء على هذه-.
فالمتكلم من باب الإخبار وهو الباري جل وعلا، حينئذٍ أخبر عن نفسه بأنه بكل شيءٍ عليم وأطلق على نفسه الشيء، حينئذٍ لا يوصف إلا بما وصف به نفسه.
وإذا وصف نفسه بصفة حينئذٍ تُحمل على ظاهرها، ولا يدّعي مدعٍ بأن العقل ينافي ذلك كما يدعيه أرباب البدعة.
فقال: {نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ (( شَيْءٍ ) )عَلَيْهِ تَعَالَى} يصح.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يشمل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ يشمل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. داخل قطعًا.
قال: {وَقَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إلَيْك فَأَكْرِمْهُ، أَوْ فَلا تُهِنْهُ} . وأحسن إليه هو، دخل أو لا؟ دخل.