وإلا لو قلنا بذلك لقلنا قوله: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] خاصًا بالذكور دون الإناث. (( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ) [البقرة:43] خاصٌ بالذكور دون الإناث، وهذا باطل.
فدل على أن قول أم سلمة هنا أرادت التنصيص كما قال المصنف: {وَيَصِحُّ، لأَنَّهَا إِنَّمَا أَرَادَتْ التَّنْصِيصَ تَشْرِيفًا لَهُنَّ لاَ تَبَعًا} .
والتبعية هناك على ما فسّرناه سابقًا هل هو أنه داخلٌ في مسمى اللفظ وهو الظاهر، أو في الحكم؟ أما الحكم فهو عام، التبعية في الأحكام هذه لا خلاف فيها، وإنما الخلاف هل اللفظ يتناول الإناث أو لا؟
الصحيح أنه يتناول الإناث، لكنه حقيقة شرعية.
{وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: (( الْحُرُّ بِالْحُرِّ ) )عَامٌّ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى} وهو كذلك.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَمِمَّا يُخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةُ الْوَاعِظِ الْمَشْهُورَةِ} . أخذت وقتًا من العلماء.
{وَهِيَ قَوْلُهُ لِلْحَاضِرِينَ} عنده. واعظ .. الوُعَّاظ يغلب عليهم الجهل، قال للناس الحاضرين: {طَلَّقْتُكُمْ ثَلاثًا} فكانت امرأته جالسة معهم، يقع الطلاق أو لا؟
إن قلنا: بأن طلقتكم هذا مُذكّر، يقع الطلاق؟ قال: طلقتكم، إذًا: الخطاب للذكور ولا يدخل الإناث، على هذا القول لا تطلُق.
وإن قلنا بأنه عامٌ -طلقتكن- وهو محتمل للإناث طَلُقت.
لكن نقول: طلقتكم ثلاثًا هذا بحثٌ لغوي أو شرعي؟
إن أراد الاستعمال الشرعي، هذا يحتاج إلى قرينة؛ لأن الأصل في استعماله أن يَستعمل اللسان اللغوي.
على كلٍ قال هنا: {وَهِيَ قَوْلُهُ لِلْحَاضِرِينَ عنده: طَلَّقْتُكُمْ ثَلاثًا، وَامْرَأَتُهُ فِيهِمْ، وَهُوَ لا يَدْرِي, فَأَفْتَى أَبُو الْمَعَالِي بِالْوُقُوعِ} يقع الطلاق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ, قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُقُوعِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَقَعَ, وَلَهُمْ فِيهَا كَلامٌ كَثِيرٌ.
الصواب أنه لا يقع؛ لأنه لم ينوِي، وإنما عنى الرجال ولذا قال: طلقتكم ثلاثًا.
قال: (وَإِخْوَةٌ وَعُمُومَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى) .
يعني: اللفظ هذا عام"إخوة"يشمل الذكر ويشمل الأنثى.
(وَعُمُومَةٌ) كذلك للذكر والأنثى.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الإِخْوَةَ وَالْعُمُومَةَ يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ, قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ فِيهِ وَغَيْرُهُمْ.
وَظَاهِرُ كَلامِهِ فِي الْوَاضِحِ: أَنَّ الإِخْوَةَ لا تَعُمُّ الإِنَاثَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَعُمُّهُنَّ.
هذا في اللغة، وأما في الشرع فالإخوة يعم الذكر والأنثى، في الإناث يقال: الأخوات جمع أُخت، أما أخ فيجمع على إخوة، هذا الأصل فيه أنه للمذكر، لكن في الشرع نحمله على الذكر والأنثى.
إذًا: القاعدة في هذا الباب -حتى تكون معك مطردة-: كل ما قيل من هذه الألفاظ فالصحيح أن لها استعمالًا شرعيًا، وسوّى بين الذكر والأنثى، لا فرق، حينئذٍ تكون حقيقة شرعية، مجازًا لغويًا.