وإذا كان كثير من العلماء نازعوا في صحة دعوى الإجماع ما لم يكن في أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولم يقل أحد بكفرهم ولا ادعى ضلالهم وزيغهم، بل هم أئمة كبار، وجهابذة أخيار، يقتدي الناس بعلمهم، ويهتدون بهديهم، فكيف يُدَّعى تكفير من خالف في حكمٍ لو صحت دعوى الإجماع فيه فإنها لا تبلغ بحال درجة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل ولا تدانيها؟ وإذا كان من خالف في أصل الدليل لم يكفر، فكيف يكفر من خالف في مدلوله؟ وممن قال بأنه لا إجماع إلا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة أو الأمور التي يقطع فيها بوجوده، ويتيقن من أن جميع الصحابة قالوا به واعتقدوا صحته، الإمام أبو محمد ابن حزم- رحمه الله - حيث يقول: - (والإجماع: هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفوه وقالوا به، ولم يختلف منهم أحد، كتيقننا أنهم كلهم رضي الله عنهم صلوا معه عليه السلام الصلوات الخمس، كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك، وأنهم كلهم صاموا معه، أو علموا أنه صام مع الناس رمضان في الحضر، وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين، وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع وهم كانوا حينئذ جميع المؤمنين لا مؤمن في الأرض غيرهم، ومن ادعى أن غير هذا هو إجماع كلف البرهان على ما يدعي ولا سبيل إليه) [المحلى 1/ 54] وقال أيضا: (مسألة: وما صح فيه الخلاف من واحد منهم أو لم يتيقن أن كل واحد منهم رضي الله عنهم عرفه ودان به فليس إجماعًا، لأن من ادعى الإجماع هاهنا فقد كذب، وقفا ما لا علم له به) [المحلى 1/ 54] ، وقد أطال في تقرير مذهبه والرد على مخالفيه في كتابه الإحكام، فمن ذلك قوله - رحمه الله - (إن الإجماع الذي هو الإجماع المتيقن ولا إجماع غيره لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى، لكن ينقسم قسمين: أحدهما كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام، في أن من لم يقل به فليس مسلما كشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان، وكتحريم الميتة والدم والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فإذ ذلك كذلك، فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام. القسم الثاني: شيء شهده جميع الصحابة رضي الله عنهم من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه عليه السلام منهم، كفعله في خيبر إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، يخرجهم المسلمون إذا شاءوا، فهذا لا شك عند كل أحد في أنه لم يبق مسلم في المدينة إلا شهد