اجتهاده في الاستدلال بالإجماع المذكور، وبسبب هذه العلة أيضا جعل الصورتين كصورة واحدة في الحكم، ومناقشة هذه الأمور المشتركة، وإبداء الفوارق بينهما هي موضوع الأمر الثالث.
اتضح لنا فيما سبق أن حقيقة ما استدل به الشيخ عبد القادر في تقريره للحكم، هو اعتماده على القياس، واستنباطه لعلة جامعة بين الأصل والفرع، بحيث أناط الحكم بها في الأول، ثم عداه إلى الثاني، ولا يقال إن هذا هو لازم قوله وصنيعه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه ويحسب عليه، لأن لازم الشيء -كما هو معلوم - أمر خارج عن حقيقته (ماهيته) ومنفصل عنها إلا أنه ملازم لها بحيث لا يتصور وجود ذلك الشيء إلا وهو معه، والأمر هنا ليس كذلك، لأن فعله هذا هو ذات الحقيقة وعينها وليس أمرا خارجا عنها، وإن لم يسمه هو قياسا، فإن العبرة بالمسميات لا بمجرد الأسماء، فعلى هذا فإن المناقشة هي بحقيقة قوله لا بلازمه، فأنت كما علمت من قبل أن الصورتين المذكورتين هما قطعا ليستا متحدتين، فإن الأولى هي ظهور متنبئين واتباع ومناصرة طوائف لهم، أما الصورة الثانية فهي ظهور حكام مرتدين ومناصرة طوائف لهم، ونحن نجزم أن المتنبئين والحكام المرتدين ليسوا سواء - على الأقل حسب الظاهر والصورة - وإن كنا نعتقد أن كلا منهم يعد طاغوتا، وعلى ذلك فإن أنصارهم كذلك غير متساوين، فأنصار من يدعي النبوة ليسوا هم أنصار الحكام المرتدين، والإجماع - إجماع الصحابة - في هذا الموطن الذي وقع به الاستدلال إنما ثبت وانعقد على صورة المتنبئين وأتباعهم، وليس على صورة الحكام المرتدين ومناصريهم، فمن أين لنا والحالة هذه أن نحكي إجماعا على صورة الحكام المرتدين (المعاصرين) وأنصارهم من غير أن يكون ثمة رابط بين الصورتين مما له أو يظن أن يكون له تأثير في الحكم؛ والبحث عن هذا الرابط الذي يوحد الحكم بين النازلتين وإيجاد ذلك فعلا هو حقيقة القياس، وهو عين ما فعله الشيخ عبد القادر في إثباته الحكم لنازلة العصر.
فلو سلم له هذا القياس وصح، وتجاوز قنطرة النقض والإبطال، لكان كافيا في جعل الإجماع المدعى على تكفير أنصار الحكام المرتدين على التعيين إجماعا ظنيا، إذ إن مذهب الجمهور أن الحكم الثابت بالقياس ظني، وذلك لكثرة احتمال تطرق الخطأ إليه من جهات متعددة، زد على ذلك أن القياس على حكم ثابت بالإجماع قد وقع فيه الاختلاف بين العلماء أصلا، مع أن الراجح جوازه وصحته، ولكن الخلاف على الدليل غالبا ما يضعف قوته، قال الأخضري في