الصفحة 80 من 83

الإجماع الذي أثبت به الحكم هي صورة الإجماع السكوتي، وإذا أراد أن يجعله قطعيًا في حق الحكام المرتدين وأنصارهم، فعليه أن يثبت وجود الخاصية التي صيَّرته قطعيًا في حق المتنبئين وأتباعهم، وهي كون هذا الأمر مما هو معلوم من الدين بالضرورة، ولا يخفى ما في هذا من البعد، فمما لا شك فيه أن هذه المسألة - حكم أنصار الطواغيت - من المسائل الجزئية الفرعية الاجتهادية، وإلا فما احتاج الشيخ عبد القادر إلى كل هذا التطويل والإسهاب من أجل أن يثبت حكمًا مقطوعًا به، ولأغنته الإشارة كغيره من الأمور المعلومة علمًا قطعيًا مما يستوي فيه الخاصة والعامة، وقد قال شيخ الإسلام - رحمه الله - بعدما ذكر إجماع الصحابة في إحدى المسائل الجزئية: - (وأما إجماع الصحابة، فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض، ولم ينكرها أحد منهم، فصارت إجماعًا واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسألة فرعية بأبلغ من هذا الطريق) [الصارم المسلول 200] ومن المعلوم أن شيخ الإسلام - رحمه الله - يقسم الإجماع إلى قطعي وظني، والظني عنده هو الإقراري أو الاستقرائي (بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص الإسلام - رحمه الله - في تكفير مخالف الإجماع إنما يقصد به ما هو معلوم من الدين بالضرورة وليس كل المعلومة به، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها، فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف) ، وكلام شيخ إجماع، قال رحمه الله: - (والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره) [مجموع الفتاوى 19/ 270] ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلامه الذي ذكره في مواضع أخر من كتبه حول تكفير مخالف الإجماع حتى تتسق عباراته، وينسجم مذهبه، ولا ينسب إليه شيء لم يعتقده أو يذهب إليه، وقد قال شيخ الإسلام نفسه: (وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة) [الصارم المسلول 280] ، وهذا كله على التسليم بصحة تعميم حكم الإجماع الذي نسبه الشيخ عبد القادر للصحابة، ليشمل أنصار الحكام المرتدين المعاصرين، فكيف وأن هذا التعميم لا يصح ولا يتوجه كما أوضحنا ذلك مرارًا، لما بين الواقعتين من الأمور الفارقة التي لا تساعد على توحيد الحكم فيهما، ولا التسوية بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت