الصفحة 79 من 83

قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - موضحًا معنى البيتين: (يعني أن العلماء اختلفوا في السكوت هل هو رضا وإقرار أم لا؟ ويجري على الخلاف في ذلك الاحتجاج بالإجماع السكوتي، وهو أن يقول بعض المجتهدين حكمًا ويسكت جميع الباقي منهم ولم ينكروا عليه، فعلى أن السكوت رضا وإقرار، فالسكوتي إجماع لدلالة السكوت على موافقة الساكتين، وعلى أن السكوت ليس برضا ولا إقرار، فالسكوتي ليس بإجماع ... ) [نثر الورود 2/ 438]

هذا وقد ذكرنا من قبل أن الصحيح أن الإجماع السكوتي حجة ظنية.

فقول الشيخ عبد القادر إن الإجماع في مسألة حكم أنصار الطواغيت: (قد ثبت بالقول وبالفعل وبالاقرار) ، إقرارٌ منه أن الإجماع في هذه المسألة - حكم أنصار الطواغيت - إجماع سكوتي، خاصة وأنه قد أفصح عن معنى الإقرار بقوله: (وأما الإقرار: فهو أنه لا يعرف مخالف أو منكر من الصحابة فيما ذكرناه) ، ومن المعلوم - قطعًا- أن عدم العلم بوجود المخالف لا يعني بالضرورة عدم وجوده، وهذه هي حقيقة الإجماع السكوتي، وهو عدم العلم بوجود المخالف المنكر لما قيل أو فُعِل وانتشر، أما إذا علم رأي الساكتين بقرينة أو أمارة فهذا خارج عن نطاق الإجماع السكوتي كما ذكرنا ذلك من قبل، وكما أشار صاحب المراقي له بقوله:

وَهْوَ بِفَقْدِ السُخْطِ والضِّد حَرِي مَعَ مُضيِّ مُهْلةٍ للنَّظِر

هذا، ولماَّ علمنا علمًا يقينيًا لا يداخله ارتياب، أنه لا يوجد أحد من المسلمين عامّهم وخاصّهم يتردد أو يتوقف في تكفير من ادعى النبوة أو اتبعه وصدقه في دعواه، وأن من خالف في هذا الحكم كفر، ظهر بذلك أن المسألة مما هي معلومة من الدين بالضرورة، ولا يتصور فيها الخلاف أصلًا فضلًا عن وجوده، لذلك لم يؤثر فيها كون صورة إجماع الصحابة - حسب ما يقتضيه كلام الشيخ عبد القادر - تطابق الإجماع السكوتي، وهذا يعطي المسألة - حكم المتنبئين وأتباعهم - خاصية تنفرد بها عن غيرها، وتلك الخصوصية أن ختم الرسالة بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه أرسل إلى الناس كافة، مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو أصل من أصول الإسلام العظيمة، اتفق عليه كل أهل القبلة، ولم يشذ منهم أحد، فالمخالفة أو التردد في هذا الأمر يعني الخروج عن الإسلام، وما كان كذلك فلا يتصور أن يختلف فيه الصحابة ولا غيرهم أبدًا، وإذ ذلك كذلك، فلو كان تعميم الشيخ عبد القادر للحكم الذي نسبه للصحابة صحيحًا، لكان الصواب أن يجعله قطعيًا في المتنبئين وأتباعهم، ظنيًا في الحكام المرتدين وأنصارهم، إذ إن صورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت