الصفحة 58 من 83

بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة) [كشاف القناع 2/ 258] وهذا كله مما يقوي ما ذكرناه من أن عبارة (قتلاكم في النار) ، على افتراض صحة دلالتها في هذا الموطن على ما ذهب إليه الشيخ عبد القادر، إلا أن ذلك كان بناءً على قرائن وأدلة عينت المراد منها، فالمرجع الحقيقي في الدلالة على التكفير عند ورود هذه اللفظة ومثيلاتها إنما هو تلك القرينة وذلك الدليل الذي بني عليه تحديد المعنى، وليس كل موضع جاءت فيه هذه الجملة كانت نصا قاطعا وبرهانًا ساطعًا في الحكم بالتكفير لأعيان القتلى، فهي مفتقرة دائما إلى ما يحدد معناها، ويعين المراد منها حتى يعرف هل هو التعيين أو التعميم، والله تعالى أعلم.

والخلاصة: أن قول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ للمرتدين التائبين (وتكون قتلاكم في النار) ، لا يصلح أن يجعل دليلا على تكفير أعيان قتلاهم للاحتمالات والمقارنات التي ذكرناها، بل الذي يحكم على العبارة، ويعين المراد منها، اعتبار حال من قيلت فيهم، بمعنى أنه بعد معرفة حال من وردت في حقهم، وهل هم كفار أم لا؟، نستطيع بعدها أن نقول إن العبارة الواردة فيهم يقصد بها الحكم على أعيانهم بالنار أو هي على العموم في حقهم، أما الاعتماد على هذه العبارة بمجردها وجعلها دليلا على تكفير أعيان من تقال فيهم حيثما وردت فهذا لا يصح، فإذا كانت العبارة بمجردها من غير اعتبار القرائن والملابسات المحيطة بها، لم يستقم الاستدلال بها استدلالًا صحيحًا على تكفير أعيان من قيلت فيهم، فكيف يتوجه الاستدلال بها والاعتماد عليها في تكفير غيرهم فيعمم الحكم ويقال: (وهذا إجماع منهم على تكفير أنصار(( أئمة الردة ) )وجنودهم على التعيين إذ لا خلاف في أن القتلى أشخاص معينون)؟

هذا وليس ما ذكرناه في هذا الموضع وما سنذكره في مواطن أخرى شكًا أو تشكيكًا أو ترددًا أو توقفًا في تكفير أعيان قتلى المرتدين من أتباع مسيلمة وطليحة وأمثالهم من أتباع المتنبئين وأنصارهم، فكفرهم وردتهم أظهر وأشهر وأبين من أن تحتاج إلى مثل هذه الأدلة الجزئية، والأقوال الفرعية ذات الاحتمالات المتعددة، ولكن ينبغي أن تكون طريقة الاستدلال في ذلك صحيحة، وأن يدخل لها من بابها.

تنبيه: - قد يقول قائل: إن شهود الصحابة - رضي الله عنهم - لقتلى المسلمين بالجنة، ولقتلى المرتدين بالنار، هو شهود لأعيانهم وأشخاصهم، وذلك للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن أنس - رضي الله عنه - قال: - {مر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وجبت وجبت وجبت، قال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت وجبت وجبت وجبت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض} وهذا لفظ مسلم، وعليه فلا يتوجه الاعتراض الذي ذكرته من أن حمل عبارة (قتلانا في الجنة) على التعيين يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة، في أنهم لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، ومن ثم فإنه يمكن أن تحمل العبارتان على تعيين القتلى في الطائفتين من غير أن يكون هناك محظور.

** وقبل أن نشرع في الجواب عن هذا الاستشكال نحب أن ننبه إلى مسألة مهمة ينبني عليها فهم ما سبق ذكره وما سنذكره بعد، وهي: أن المقصود من الاعتراضات التي ذكرناها حول قول أبى بكر - رضي الله عنه - (وتكون قتلاكم في النار) ، هو بيان أن هذه اللفظة بمجردها لا تدل على تكفير من قيلت فيهم بإطلاق، بل لا بد من معرفة حال الطائفة التي وردت فيها، وهي القرينة التي تحدد المراد إن كان تعيينا أو تعميما، بمعنى أنه لا يستقيم القول: إننا حيثما وجدنا هذه الكلمة قيلت في جماعة حكمنا على أعيانها بالكفر اعتمادا منا على مطلق الدلالة اللغوية، فهي تأتي ويراد بها عموم القتلى، كما نقلناه عن ابن قدامة وغيره في حق مانعي الزكاة، كما تأتي ويراد بها أعيانهم وأشخاصهم، وعليه فالقرينة - وهي معرفة حال من قيلت فيهم - هي التي تحدد وتعيّن أيّ المعنيين أُريد، فمثلا هذه العبارة، قد قيلت في حق مانعي الزكاة كما في مصنف ابن أبي شبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال لما ارتد من ارتد على عهد أبي بكر أراد أبو بكر أن يجاهدهم، فقال عمر أتقاتلهم وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم مالهم إلا بحق وحسابهم على الله تعالى، فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لأقاتلن من فرق ينهما حتى أجمعهما، قال عمر فقاتلنا معه وكان رشدا، فلما ظفر بمن ظفر به منهم قال اختاروا مني خصلتين: إما الحرب المجلية وإما الحطة المخزية، قالوا هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما الحطة المخزية قال تشهدون على قتلانا أنهم في الجنة وعلى قتلاكم أنهم في النار ففعلوا؛ وقيلت أيضا في حق أتباع المتنبئين، وقد رأينا ابن قدامة - رحمه الله - حملها في حق مانعي الزكاة على العموم بناء على ما ترجح عنده من معرفة حالهم وأنهم لم يكونوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت