حمل المعنى على التعيين، وإن كانوا غير ذلك حمل على العموم، وبمعنى آخر أن حمل العبارة على أن المقصود بها أعيان القتلى، هو فرع عن الحكم بتكفيرهم، وليس مرتبطًا به ارتباط الدال بالمدلول، فلا تلازم بين قول هذه العبارة وبين تكفير من تقال فيهم، قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ رادًا على من استدل بقول أبي بكر (وقتلاكم في النار) ، على تكفير (( مانعي الزكاة ) ):- (ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر، وماتوا من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرًا، كما حكم لقتلى المجاهدين بالجنة ظاهرًا، والأمر إلى الله تعالى في الجميع، ولم يحكم عليهم بالتخليد، ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قومًا من أمته يدخلون النار، ثم يخرجهم الله تعالى منها ويدخلهم الجنة) [المغني 4/ 9] وكلام ابن قدامة صريح في أن الحكم على طائفة بالنار لا يعني بالضرورة الحكم عليها بالكفر أصلًا، فضلًا عن أن يكون حكمًا على أعيانها به، وهذا بَيِّنٌ في قوله: (ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد) ، بمعنى أنه يمكن أن يقال في حق طائفة مسلمة غلبت عليها الموبقات والكبائر من المعاصي: قتلاكم في النار، وهذا لا يستلزم أن تكون شهادة عليهم بالكفر، ولا شهادة لأعيانهم بالنار، وإنما هو حكم على الصفة لا على عين الموصوف أي أن الشريعة قد دلت على أن من فعل مثل فعلهم وارتكب ما يرتكبونه فهو مستحق للنار، فحسب نصوص الأدلة وظاهر حالهم يكونون مستحقين للنار من حيث تلبسهم بهذه الأعمال، أما الحكم على كل فرد منهم بذلك فهو مبني على العلم بعدم وجود مانع عنده وذلك متعذر، وكلام ابن قدامة وإن كان المقصود به مانعي الزكاة - ولسنا بصدد الكلام عليهم - إلا أن الدليل الذي رد عليه ابن قدامة، هو عين ما استدل به الشيخ عبد القادر، وهو قول أبي بكر (وتكون قتلاكم في النار) ، وقال ابن مفلح في كلامه على مانعي الزكاة أيضًا: - (ولأن أبا بكر لما قاتلهم قالوا نؤديها، قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره، فدل على كفرهم ... وجوابه: بأنه يحتمل أنهم جحدوا وجوبها، ويحتمل غير ذلك، فلا يجوز الحكم به في محل النزاع، ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة) [المبدع 2/ 402] ، وقال البهوتي في ذلك أيضًا: (وما روي عن الصديق أنه لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب قالوا نؤديها، قال لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، يحتمل أنه فيمن منعها جحودا ولحق بأهل الردة منهم، فقد كان فيهم طائفة كذلك على أنه لا يلزم من الحكم بالنار الحكم